بعد انتهاء الوباء: ليست هناك حاجة لأن تستسلم الليبرالية للاستبداد

جريج سي برونو

AFP photo: Juan Barreto

بينما تكافح الديمقراطيات الغربية لإيجاد حل فعّال لانتشار فيروس كورونا (كوفيد-19)؛ فإن الكثير ممن يحملون شعلة الليبرالية على مستوى العالم قد وجدوا الإلهام في أكثر المناطق الغير ليبرالية: الدول الاستبدادية.

وهناك إيطاليا التي تعُد بؤرة فيروس كورونا في أوروبا، والتي استغاثت من أجل الحصول على معونات طبية، ولم تأت الاستجابة من جيرانها في القارة الأوروبية وإنما أتت من الصين وكوبا وروسيا. أما فرنسا وإسبانيا فقد استلمتا 1.5 مليون كمامة من الصين قبل أن يبدي الاتحاد الأوروبي أي ردة فعل. بينما في جمهورية التشيك وصربيا القريبة منها فقد أثنى قادة الدولتين على الاستجابة السريعة من بيكين للمناشدات بتقديم معونات طبية، وقد كان رئيس جمهورية التشيك ميلوش زيمان أكثر وضوحًا حين قال :”الصين هي الدولة الوحيدة التي قدّمت لنا يد العون”.

ومما لا شك فيه أن الأنظمة الاستبدادية تعمل على نشر هذا المنهج، وعلى سبيل المثال فإن الصين نشرت بقوة فكرة أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يقود المعركة الدولية ضد فيروس كورونا (وربما يتناسى هؤلاء حقيقة أن العدوى التي بدأت من الصين انتشرت لأن بيكين اختارت السرِيّة وليس الشفافية، وربما يكون ضحايا الفيروس من الصينيين أكثر بكثير مما تم الإعلان عنه).

وبعد أن تنتهي أزمة انتشار فيروس كورونا فإن نجاح السلطات الاستبدادية في مواجهة الموت الذي أتى من عدو غير مرئي، وحتى لو كان هذا النجاح مؤقتًا، فإنه سيدفع بالنظم الاستبدادية إلى النظر لما هو أبعد. وبينما سيتمثّل رد فعل الكثير من الديمقراطيات الليبرالية في تجاهُل النجاح الذي حققته الأنظمة الاستبدادية فإن الأضرار الإنسانية والاقتصادية التي سيتسبب فيها الفيروس ستجعل من هذا التجاهل أمرًا مستحيلًا.

والديمقراطيات الغربية بوضعها الحالي أثبتت أنها عُرضة للاستهداف، وكنتيجة لذلك فقد باتت تواجه عملية محاسبة سياسية لا مفر منها، والإجراءات الناجحة التي قامت بها كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة – من فرض العزل المنزلي الإجباري إلى تعقُب حركة الأفراد ربما تتعارض مع المجتمعات الحرة المنفتحة. لكن الشخص الذي يتشبث بالحياة بعد أن تم وضعه على جهاز تنفس صناعي ربما يتنازل عن بعض من حرياته الشخصية لقاء الحصول على أمل في البقاء حيًا.

ولكن إلى متى يظل بندول الساعة يتأرجح بين الليبرالية والاستبداد أو حتى الشمولية؟، وهذا السؤال لم يعُد نظريًا، لكنه بات يطرح نفسه بقوة خلال الوقت الراهن، وهو السؤال الذي يجب على العالم أن يستعد للإجابة عليه عاجلًا وليس آجلًا.

واليوم فقد بات الكثير على دراية بما هو مطلوب من أجل “تقليل منحنى الإصابات” – وهو اللجوء للإجراءات التي تحد من الحرية والتي تحدّث عنها الروائي الإيطالي جورج أورويل، مثل قيام الحكومات بمراقبة صحة الأفراد دون الحصول على موافقة صريحة منهم، ووضع قيود على السفر وإغلاق الأنشطة التجارية بالقوة. وقد نجحت الحكومة الشيوعية الصينية في وقف انتشار الفيروس منذ البداية باستخدام بيانات حصلت عليها من الهواتف الذكية للمواطنين والكاميرات التي تعمل بنظام التعرف على الوجه والإبلاغ بشكل أوتوماتيكي عن درجة حرارة الجسم. وقد استخدمت دولة سنغافورة التي يسودها نظام حكم شبه سلطوي ذات التكتيكات التي لجأت إليها الصين، وفي كلتا الدولتين فإن مخالفة القوانين الرسمية يُقابل بفرض غرامات باهظة أو الاعتقال أو ما هو أكثر من ذلك.

وفي الوقت ذاته فإن الديمقراطيات الغربية كانت أبطأ كثيرًا فيما يخص اعتماد تلك الإجراءات أو تنفيذها بالقوة. في جنوب إفريقيا لم يكترث أحد منذ البداية لإجراءات الحجر الصحي المنزلي التي كان مقررًا لها أسبوعين – وذلك على الرغم من تواجد الجنود في الشوارع. وفي إيطاليا ومع بداية انتشار الفيروس لم تغلق المقاهي والمطاعم أبوابها وكان المواطنين الإيطاليين يعيشون حياتهم العادية، وحتى في الولايات المتحدة التي تتصدّر دول العالم الآن بالنسبة لعدد مصابي فيروس كورونا، فإن الرئيس دونالد ترامب قاوم مسألة فرض إجراءات وقائية مثل ارتداء الكمامات بشكل إجباري وقال إن (تلك الإجراءات “موصى بها”).

وردود الفعل تلك تعُد منطقية، وفي الدول الديمقراطية فإن الحرمان من الحقوق المدنية مثل حرية التنقل أو التعبير في الأوقات العادية ستكون بمثابة انتحارًا سياسيًا، لكن تلك الفترة ليست من الأوقات العادية، والوقوف بوجه التهديد الذي يمثله فيروس كورونا ربما يستلزم حلولًا نموذجية حتى لو جاءت مخالفة للدستور، بدءًا من تأسيس شبكة للمراقبة التكنولوجية إلى تجنيد الأطقم الطبية.

والتحدي الحقيقي سيظهر بالتأكيد بعد انتهاء أزمة فيروس كورونا، وبعد أن يتم نزع الكمامات أخيرًا من على الوجوه واستئناف “الحياة الطبيعية” فسوف يميل القادة إلى الاحتفاظ ببعض السياسات التي تعزز من الشمولية. وفي خضم هذا الواقع الجديد، فإن الديمقراطيات ربما لا تعود مُطلقًا إلى سابق عهدها لكن شكل تلك الديمقراطيات فيما بعد سيحدده ما تفعله الشعوب اليوم.

وبالنسبة للبعض فإن الخيارات ستكون قاسية، ويقول المؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري إن العالم سيكون مُجبرًا على الاختيار بين أحد قطبين: إما فترة غير محددة المدة من “الرقابة الاستبدادية” أو “تمكين السُلطة الشعبية”، وكل من المجر وأرمينيا تعُد من أحدث الدول التي اختارت المنظومة الأولى (الرقابة الاستبدادية)، وهي النزعة التي وصفتها المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فيونوالا ني أولاين بأنها ستكون مدعاة للقلق، وأضافت قائلة انه :”يمكن أن يظهر لنا وباءًا موازيًا بشكل سريع يتمثًل في الاستبداد والإجراءات القمعية بعد انتهاء الوباء الصحي”.

لكن خيارات الدول الليبرالية يجب أن تكون أكثر مرونة، وعلى الرغم من أن نزعة اللجوء لرقابة صحية طويلة تعني انتقاصًا من خصوصية الأشخاص، إلا أن هذا الأسلوب لو نُفِذ بدرجة عالية من الانفتاح والشفافية والدعم الشعبي فإن تلك السياسات ربما يستقر بها الحال في المنتصف بين القطبين المستمرين اللذان تحدّث عنهما يوفال نوح هراري، وتلك المعادلة بالأساس هي التي مكّنت كل من كوريا الجنوبية وتايوان – وكلاهما من أكثر الديمقراطيات انفتاحًا في قارة آسيا –من محاصرة فيروس كورونا دون اللجوء للقبضة الحديدية على الطريقة الصينية.

وخلال حقبة ما بعد فيروس كورونا ربما تستعير الديمقراطيات بعض التكتيكات الاستبدادية دون إهمال القيم الليبرالية، وبينما يتعين ان تدخُل الدولة في ظل تلك الأزمة العالمية، إلا أنه لا يوجد سبب للتخلي عن الحريات المدنية للأبد، وبدلًا من ذلك يجب أن تأخذ أنظمة الحكم بالاستشارات، بحيث يكون القادة أكثر شفافية فيما يخص صناعة القرار. ويمكن حينها تعزيز ثقة الشعوب وتنمية شعور أكثر عمقًا لدى الأفراد بالواجبات المدنية والمسؤولية الاجتماعية.

ونحن بالفعل قد شاهدنا تلك المنظومة في دول مثل الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان وسنغافورة، وهذا الأمر لن يسير بسهولة على طراز الديمقراطيات الليبرالية الغربية، والآن فإن المواطنون يستمتعون بدرجة عالية من الانفتاح الفكري والثقافي والأمان والحرية الشخصية، والدول الثلاث نجحت في حصار فيروس كورونا عبر منظومة قوية لإجراء اختبارات الفيروس وإرشادات واضحة وإجراءات صارمة للسيطرة – وهي تكتيكات تستلزم درجة عالية من الثقة في الحكومة.

وفي الولايات المتحدة وعلى العكس من ذلك، فإن الفشل في التحرك على نحو سريع وحاسم من الممكن أن يسفر عن وفاة 250 ألف مواطن أمريكي وربما أكثر.

وخلال فترة زمنية قصيرة ستحتاج الديمقراطيات في كل مكان لأخذ هذا التفاوت في الاعتبار. كما ان الطراز الصيني من السيطرة الاستبدادية لن يجد له مكانًا في الغرب والمجتمعات الأخرى المنفتحة، لكن لو كانت هناك منظومة تتعامل مع أولويات الحريات الشخصية بصورة صحيحة على حساب المصلحة العامة فإن تلك السياسة ستواجه الفشل أيضًا.

جريج سي برونو هو مؤلف كتابالبركات من الصين”: الذي يتناول استخدام القوة الناعمة الصينية في الصراع داخل التبت، وكصحفي فقد ظهرت أعماله في نيويورك تايمز وفورين آفيرز وجارديان والعديد من وسائل الإعلام العالمية، وهو عضو سابق في مجلس العلاقات الخارجية، ومحرر للرأي في صحيفة ذا ناشيونال ومقرها أبوظبي، ومجلة بروجكت سيندكيت ومقرها براغ.