بعد ظهور الوباء، خلية جديدة من الإرهابيين قيد التكوين

فيصل اليافعي

AFP Photo: Handout Al Naba

في منتصف شهر مارس حذّر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الجهاديين من السفر إلى أوروبا (“أرض الوباء”)، كما نصح المرضى العالقين من أعضاء التنظيم بالبقاء هناك، وجاء هذا التحذير عبر نشرة عُرِضت على جريدة النبأ التابعة للتنظيم، وتناقلتها وسائل الإعلام الغربية باعتبارها خبرًا سارًا فريدًا من نوعه في خضم أزمة انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) التي تتصاعد يومًا بعد يوم.

وهناك وجهة نظر تقول إن الجماعات الإرهابية على مستوى العالم ستواجه تحديات خطيرة بسبب انتشار فيروس كورونا، وربما يتحول العديد من أعضاء التنظيم إلى ضحايا بسبب انعدام البنية التحتية الصحية، وستكون هناك خلايا على مستوى الشرق الأوسط وأوروبا ستتعرض لتقييد الحركة بسبب إغلاق الدول حدودها جراء تفشي فيروس كورونا، وربما ينتهي الأمر بكشف هؤلاء الإرهابيين لوكالات الاستخبارات الوطنية.

وفيما يتعلق بالجماعات الإرهابية التي تتواجد بمناطق غير خاضعة لسيطرة الحكومات – مثل الأماكن النائية في منطقة الساحل الأفريقي وأفغانستان وسوريا – فإن الانتشار المُفاجئ والسريع لفيروس كورونا بات يمثل خطرًا داهمًا على تلك الجماعات، والالتزام بالمسافة الاجتماعية يعُد أمرًا شاقًا بالنسبة للخلايا الإرهابية التي تعمل بالقرب من بعضها البعض، وحصول هؤلاء على الإمدادات الطبية يعُد أمرًا عسيرًا لأنهم ملاحقون من السُلطات، كما أن إغلاق الحدود سيؤدي إلى وقف عملية تجنيد الشباب وتنقُل النشطاء، والواقع أن تواجد القليل من المدنيين في شوارع المدن يجعل من الصعب على التنظيم تنفيذ عمليات تؤدي إلى خسائر ضخمة في الأرواح.

ومن جانب آخر فإن انتشار الوباء من الممكن أن يكون بمثابة فرصة، وفي عالم تغيّر بشكل مفاجئ ومدن لا حصر لها تعرضت للإغلاق حتى أن الدول المستقرة باتت تعاني ضغوطًا، فإن انتشار فيروس كورونا حمل معه أنباءًا سارة للإرهابيين، وهناك جماعات مثل داعش بارعة في استغلال الفرص.

والعديد من الحكومات الآن باتت مشغولة بمكافحة الفيروس، مما جعل من السهل صرف انتباهها عن الإرهاب، لكن الفرصة الذهبية لجماعات مثل داعش تتمثّل في تجنيد أعضاء جدد، سواء في بلاد الغرب أو ما وراءها.

وإغلاق المدن الكبرى يعني أنه لا يوجد منفذ للترفيه، مما سينتج عنه أن الملايين سيقضون المزيد من الوقت على شبكة الإنترنت، مما سيجعل من السهل على تنظيم داعش استغلال آلته الدعائية المتطورة للغاية لاجتذاب هؤلاء الأشخاص الذين يُعتبرون عُرضة للتطرف، أما طوفان القوانين المفاجئة التي أصدرتها الحكومات فسيكون بمثابة أرضًا خصبة لتنامي نظريات المؤامرة، وسيكون الكثير من الشباب عُرضة لتلك الجماعات لأنهم يقضون المزيد من الوقت داخل جدران المنزل، مما سيجعل الشباب يتأثرون بأفكار هؤلاء الجهاديين. إن قضاء المزيد من الوقت على شبكة الإنترنت والانشغال الدائم بنظريات المؤامرة تعُد من علامات التطرف الذي تبحث عنه الشرطة في الدول الغربية، وهناك نقطة أخرى، تتمثل في حظر اللقاء بين الأصدقاء. وهو ما تطالبنا به الحكومات في الوقت الراهن.

لكن الفرصة الذهبية للجهاديين ستأتي عبر فشل الحكومات في المناطق الأكثر فقرًا على مستوى العالم، ومرارًا وتكرارًا يجد تنظيم داعش الأرض الخصبة لتجنيد الشباب في مناطق تشهد بالأساس تحولات اجتماعية وسياسية، إنها السياسة التي دائمًا ما تفتح الباب أمام الجهاديين.

ودعونا لا ننسى أن صعود تنظيم داعش بشكل سريع جاء نتيجة السياسات الطائفية البغيضة للحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة، وقد كان فشل الحكومة في المناطق السُنِيّة التي تقع غربي العراق هو ما أدّى إلى توفير موطئ قدم لتنظيم داعش في تلك المنطقة، وذات الأمر حدث في سوريا خلال العام 2013 وما تلاه مع تصاعُد الحرب الأهلية، ومرة أخرى يؤدي فشل الدولة إلى فتح ممر لتنظيم داعش من أجل تمرير أفكاره.

واليوم، فإن المناطق التي تشهد تمدُد نفوذ داعش على مستوى العالم، خاصة غرب إفريقيا ووسط آسيا والفلبين، من الممكن أن تتعرّض لتدمير واسع الانتشار بسبب فيروس كورونا.

وفي منطقة الساحل الأفريقي التي أدّى الفشل الحكومي فيها إلى تهميش قطاعات عريضة من الشعب، وفي الفلبين التي تحول فيها التمرد بسبب المظالم الاقتصادية والاجتماعية إلى أيديولوجية العمل المسلح، فإن أفكار تنظيم داعش وجدت أرضًا خصبة، وإن لم تفلح أجهزة الدولة في القضاء على الوباء ربما يتحول المزيد من الأشخاص إلى دعاة للتطرف.

ولا شك أن فشل الدولة لا يعُد أمرًا إيجابيًا بالنسبة للجماعات الجهادية فقط، وفي إدلب، تلك المنطقة التي تعُد الوحيدة الواقعة خارج سيطرة النظام السوري، فإن تفشّي فيروس كورونا من الممكن أن يقضي على نفوذ “هيئة تحرير الشام” وهي الجماعة التي كانت تتبع تنظيم القاعدة كما تعُد أكبر جماعة مسلحة في منطقة إدلب. وكما كان الأمر في منطقة الساحل الإفريقي والفلبين فإن الاختبار أمام الضغوط الحقيقية لم يأت بعد، وقد أعلنت سوريا هذا الأسبوع عن أول حالة وفاة بسبب فيروس كورونا، وغير معلوم حتى الآن إذا ما كانت هناك حالات إصابة في إدلب، لكن في منطقة مأهولة بالسكان تفتقر بشدة للماء النظيف والمأوى والطعام والدواء فإن تفشي الفيروس من الممكن أن يؤدي إلى إبادة السكان.

وإذا ما سقط ضحايا فإن اللوم سيقع على هيئة تحرير الشام التي سعت مثلها مثل تنظيم داعش إلى استغلال المظهر الخادع الذي يوحي بقوة الدولة، ولو انتشر الفيروس فإن ذلك سيؤدي إلى كشف تلك الخدعة، وسوف ينقلب السكان على هيئة تحرير الشام وربما يسعون لفرصة جديدة تحت حكم النظام السوري.

وقد أضر انتشار فيروس كورونا بالعديد من الدول، لكنه أضر أيضًا بهؤلاء الذين يريدون مهاجمة تلك الدول. وقد أثبتت الجماعات الجهادية بطبيعة الحال أنها تتمتع بالمرونة، وعلى مدار التاريخ أثبت الجهاديون مهارة في استغلال الفشل السياسي للآخرين، وهذا التحدي الأخير الذي يواجه العالم لا يعُد استثناء، والوباء الذي تسبّب في مقتل الكثير من الناس من الممكن أن ينتهي به الأمر إلى توفير متنفس للحياة بالنسبة للجماعات الإرهابية.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.