على القارة الأفريقية ان تستفيد من الاستثمارات العربية الخليجية لمواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني

جوزيف دانا

أصبحت مشاكل الديون الأفريقية أمرًا ملفتًا للانتباه – وليس السبب في ذلك مجرد المخاوف المتنامية من تعرض الاقتصاديات الناشئة لركود عالمي، ولكنها التأثيرات المزعجة من التمويل الضخم الذي تقدمه الصين لدول القارة الأفريقية حتى أصبحت تلك الدول الأفريقية محاطة بديون مستعصية وديناميات القوة التي تستحضر فترة الاستعمار الحالكة. وتؤكد المخاوف من الديون على حاجة الدول الأفريقية إلى تنويع شركائها الاقتصاديين والنأي بنفسها عن مراكز القوة العالمية كالصين.

وتبقى الأقوال في مثل هذه الحالة أسهل من الأفعال. وكجزء من مبادرة الحزام والطريق الخاصة بها، وهو مشروع عالمي يهدف إلى إعادة تشكيل التدفقات التجارية مع الصين والتي تتبوأ مركز تلك التدفقات التجارية، استثمرت بكين على مدار العقد الماضي موارد ضخمة في أفريقيا، هذا وقد شهد الحضور الصيني في أفريقيًا تزايدًا سريعًا منذ العام 2005 وذلك بسبب مشروعات البنية التحتية والاستثمار الأجنبي المباشر. ورغم أن الدول الغربية تستحوذ على نصيب الأسد في الديون الأفريقية، تبقى دبلوماسية الديون التي تنتهجها الصين القلق الذي يقض مضاجع الجميع.

وفي افتتاح منتدى التعاون الصيني الأفريقي في بكين، سارع الرئيس الصيني شي جين بينج إلى رفض الادعاءات بأن بلاده تمارس سياسات الإقراض المهلكة لبسط نفوذها في أفريقيا، وأكد في الوقت ذاته على أن الصين تعمل لصالح القارة الأفريقية، وتعهد الرئيس الصيني بضخ 60 مليار دولار أمريكي لتنمية الدول الأكثر فقرًا في قارة أفريقيا.

وتمثل أفريقيا، من وجهة نظر الصين، سوقًا خصبًا ومتناميًا بسبب المزايا السياسية الهائلة التي تتمتع بها القارة الأفريقية. وفي ظل إهمال الدول الغربية للقارة الأفريقية وشئونها، توفر الصين العمالة الصينية لإنشاء مشروعات رئيسية في البنية التحتية (وتهدف أيضًا إلى إلزام الدول الأفريقية بمبادرة الحزام والطريق)، وتستثمر أموالاً طائلة دون ضمانات لحقوق الإنسان التي وضعها الغرب. وفي المقابل، اجتازت بكين بوابة العبور نحو الموارد الطبيعية في القارة الأفريقية، ونالت الوعود بحصد أصوات القارة في الأمم المتحدة، وتقليل وتيرة الاعتراض على النزاعات الإقليمية المتعددة التي تخوضها الصين (ولا تعترف بتايوان سوى دولة أفريقية واحدة).

وبعد مرور أكثر من عقد على الاستثمارات الصينية، هناك خلل واضح. فها هي مشروعات البنية التحتية وقد تأخرت، وأصبحت العديد من الدول الأفريقية الأشد فقرًا محاطة بالديون المستعصية جراء الاستثمارات الصينية. أضف إلى ذلك، أصبح توفير فرص العمل في ظل الاستثمارات اللازمة لمبادرة الحزام والطريق أمرًا مزريًا. ومما لا يدع مجالا للشك، فقد أصبح الامر أشبه بنموذج حديث من الإمبريالية، ولا تعد أفريقيا وحدها هي السبب في إثارة تلك المقارنات والمخاوف.

وخلال زيارته إلى الصين في شهر أغسطس، أعرب رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد عن غضبه من بكين بسبب ممارساتها التجارية. وأشار قائلاً يجب أن نتذكر دومًا أن مستوى التنمية يختلف من دولة لأخرى، وأضاف لا نريد وضعًا تنشأ فيه نسخة جديدة من الإمبريالية بسبب عجز الدول الفقيرة عن منافسة الدول الغنية، ولهذا، نحتاج إلى تجارة عادلة. وبالإضافة إلى انتقاده اللاذع للممارسات الاستعمارية الجديدة لدولة الصين، علق مهاتير محمد العديد من الاستثمارات الصينية في ماليزيا منها مشروع سكك حديدية رئيسي على شبه الجزيرة الماليزية.

ومن المؤكد أن سعي الصين نحو إنشاء إمبراطورية تجارية جديدة سيجعل العديد من الدول مدانة لبكين. وهكذا دومًا تُبنى الإمبراطوريات. ولما كانت مخاوف القارة الأفريقية مخاوف حقيقية، فما الذي يجب على كل دولة على حدة أن تفعله لحماية نفسها؟ وللعلم، لا يمكن لتلك الدول ببساطة أن تنأى بنفسها عن الصين. ولهذا، ربما يكون من الأفضل لها أن تنوع شركائها، وهنا يأتي الدور المحوري الذي تستطيع أن تمارسه دول الخليج العربي.

وترتبط دول الخليج بعلاقات تجارية مع القارة الأفريقية منذ قرون مضت، غير أن تدفق الاستثمارات الهامة لم يحدث إلا في أعقاب الأزمة المالية العالمية سنة 2008. ومنذ ذلك الوقت، تزعمت دولتا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الاستثمارات في قارة أفريقيا، وكانت تلك الاستثمارات بالدرجة الأولى في تطوير البنية التحتية والزراعة.

ونظرًا لافتقار تكتل دول مجلس التعاون الخليجي – والذي تنتمي اليه تلك الدولتان- إلى إستراتيجية موحده بشأن الاستثمار في أفريقيا، تحملت تلك الدولتان المسؤولية. وعلى مدار العقد الماضي، توسعت الدولتان في مجالات استثمارية إضافية ومنها الطيران والسياحة والموانئ والاقتصاد الرقمي.

وعلى عكس العلاقات التجارية الصينية أو الغربية، لم يكن للاستثمار الخليجي أي شروط سياسية، فالخليج غير مهتمٍ بإنشاء إمبراطورية جديدة على عكس الصين التي ترغب في ذلك، ولا يريد ابعاد الدول الأفريقية عن القيم الغربية، فضلاً عن أن الدول الخليجية ليست لديها سابقة استعمارية في القارة الأفريقية، ولكن ما تصبو إليه دول الخليج ببساطة هو عائدات الاستثمار في القارة الأفريقية.

ولكي تتمكن الدول الأفريقية من حصد مزايا تلك العلاقة الناشئة، فمن الواجب عليها تفعيل سيادة القانون لارتباطه بالاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويشكل المشهد القانوني غير الواضح وتغيير اللوائح في دول شرق أفريقيا ولاسيما منطقة القرن الأفريقي، تهديدًا لتحفيز المستثمر وخاصة المستثمر الخليجي. وبدلاً من الكشف بوضوح عن نوايا الإمبريالية المتوحشة لدولة الصين، يتعين على الدول الإفريقية التأكد من فتح حدودها لبناء علاقات تجارية مع شركاء جدد كدول الخليج، وتمثل نتيجة هذا التحول في العلاقات مع دول الخليج ثقلاً كبيرًا على الطموحات الصينية في القارة الأفريقية. وفي هذا العالم المكتظ بالقوى الاقتصادية، تضع التحالفات بين الدول الصغيرة نفوذ القوى العظمى تحت السيطرة.

AFP PHOTO/POOL/Themba Hadebe