عام من الانتخابات أثبت أن الشرق الأوسط ليس مُحصّنًا ضد نزعة اللامؤسسية

فيصل اليافعي

انتهى عام الانتخابات التي شهدها الشرق الأوسط، وقد كان عامًا هامًا بالنسبة للمنطقة فيما يتعلّق بالديمقراطية، حيث شملت الانتخابات كل من مصر وتونس وتركيا ولبنان وإسرائيل والعراق وإقليم كردستان العراق الذي نجح هذا الأسبوع أخيرًا في اختيار الرئيس ورئيس الوزراء، وكانت هناك خطة لإجراء الانتخابات في ليبيا لكن تم تأجيلها للعام القادم، وإذا ما كانت هناك من اتجاه يمكن استخلاصه، أو خيط يمكن الوصول إليه وسط تلك الضوضاء الناتجة عن الرسائل والأحزاب والسياسات على مدار هذا العام، فهي أن الشرق الأوسط ليس بمنأى عن التطورات التي تشهدها الديمقراطيات في أماكن أخرى.

والواقع أن التيار المضاد لأحزاب النخبة والشخصيات البارزة على امتداد أوروبا وأمريكا الشمالية، انتقل إلى الشرق الأوسط وبات يتوالد ويتكاثر، وباتت الأحزاب والشخصيات البارزة الراسخة عُرضة للتحدّي، على نطاق صغير حينًا، وعلى نطاق واسع أحيانًا، الا ان هذا قد أسفر عن وضع سياسي ينم عن الفوضى والشغب، التي انتشرت في انحاء الشرق الأوسط.

وقد أتت تلك اللحظة الانتقالية، الإيجابية في بعض جوانبها، ببعض الأفكار الجديدة التي اقتحمت المناخ السياسي، لكن تلك الأفكار أتت بسرعة عقب الصدمات التي نتجت عن الربيع العربي، كما أتت بعد غزو العراق الذي تم في العام 2003، وكذا أتت بعد العديد من الأمثلة للوضع المتأزم، بالنسبة للفترات الانتقالية المتفاوتة في أحداثها في كل من سوريا واليمن، وتلك التغييرات أتت بالكثير من الغموض إلى دول اعتادت على اليقين السياسي، والنزعة اللامؤسسية هي نزعة حقيقية، لكنها تتسم بالخطر أيضًا.

وتلك النزعة باتت حاضرة في كل مكان، وقد كانت واضحة للغاية خلال إحدى أوائل الانتخابات التي جرت في المنطقة، في تونس، حينما جرت أول انتخابات محلية منذ اندلاع الثورة التونسية، حيث ذهبت أغلب الأصوات إلى المرشحين المستقلين بدلًا من أن تذهب إلى الحزبين الرئيسيين، حيث وقف المستقلين إلى جانب بعضهم بعضا في صورة حزب سياسي واحد، حيث ظهر هذا الحزب إلى النور باعتباره الكيان السياسي الأضخم على مستوى البلاد.

والمحتمل أن أبرز العلامات الملفتة للنظر حول ضعف الأحزاب السياسية تتمثّل فيما حدث في تركيا والعراق، حيث اتحدت الأحزاب سويًا من أجل المنافسة في الانتخابات، بدلًا من أن يقف كل حزب بمفرده، وفي تركيا، التي شهدت انتخابات رئاسية وبرلمانية في آن واحد، اتحدت الأحزاب المعارضة للقائد الذي استمر طويلًا رجب طيب أردوغان وانخرطت تحت راية واحدة، فقد اتحدت اربعة أحزاب رئيسية بما فيها حزب الشعب الجمهوري وهو حزب أتاتورك، حيث بات واضحًا القلق الذي اعترى أردوغان لأن الأحزاب التي نعُد يمينية بالنسبة لحزبه (العدالة والتنمية) ذهبت إلى الانتخابات الرئاسية متحالفة مع حزبين أصغر بكثير.

والمثل حدث في العراق، حيث لم يقف أيًا من الأحزاب المتنافسة الرئيسية كوحدة واحدة تمثل حزبًا سياسيًا، وذهبت جميع الأحزاب إلى الانتخابات بعد أن قامت بالدخول في تحالفات، حتى حزب الدعوة، الذي أفرز للعراق آخر رئيسين للوزراء، ذهب إلى الانتخابات كطرف في تحالف يضُم اربعة أحزاب، وكانت النتائج مربكة للغاية حيث احتاجت تلك الأحزاب لأربعة شهور من المفاوضات لتسوية الخلافات وتشكيل الحكومة.

وفي مكان أخر، استمرت عملية انهيار المؤسسات، وفي لبنان، التي غالبًا ما تدخل أحزابها في تحالفات، كانت الصورة مختلطة للغاية، وجاء الضغط جزئيًا من أحزاب جديدة مثل حزب المجتمع المدني (كلنا وطني)، كما جاء هذا الضغط من جانب آخر كاستجابة لتحول السياسات الناتج عن انتهاء الحرب الأهلية في سوريا، ولم يتم تشكيل الحكومة في لبنان على الرغم من مرور 8 أشهر على الانتخابات.

وفي كل مكان، تعرّضت الأحزاب الرئيسية للتحديات، وظهر أن تلك الأحزاب تخشى عرض نفسها أمام الناخبين بمفردها، كما ظهر أن تلك الأحزاب فقدت صورة الاحترام التي كانت تملكها سلفًا، وقد لوحظ في الانتخابات المصرية، التي جاءت كاستفتاء على الفترة الرئاسية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي، أن الرئيس الحالي لم يعتمد على حزب سياسي، وفي إسرائيل، كانت الانتخابات المحلية بمثابة مقدمة للانتخابات الرئاسية المقرر لها العام القادم.

واتسمت ردود الفعل على تلك النزعة اللامؤسسية بأهمية بالغة، وهناك بعض الأدلة على أن الساسة لم يدركوا حجم الاستياء الذي انتشر بشدة.

وهناك مقياسًا واحدًا لعدم الرضا كان واضحًا للغاية، فنسبة الإقبال في الانتخابات التي جرت العام الحالي كانت منخفضة، وفي كل من لبنان والعراق وإقليم كردستان العراق وإسرائيل تأرجحت حول نسبة 50%، وكان الأمر أسوأ بالنسبة للانتخابات المحلية التي شهدتها تونس، حيث بلغت نسبة المشاركة 33%، وارتفعت تلك النسبة في تركيا فقط لتبلُغ 87%، وأحد أسباب ضعف إقبال الناخبين يعود إلى أن هؤلاء لم يروا في تلك الانتخابات دلائل حقيقة من الممكن أن تؤدي إلى التغيير.

وما من مثال أوضح على تلك الحالة أكثر من انتخابات كردستان العراق التي جرت مؤخرًا، فالحزبين الرئيسيين في الإقليم لا يزالان يتمحوران حول خلفية عائلية، وظهر أمامهما تحديات من الأحزاب الصغيرة، ولم يحصل أي من الحزبين على أغلبية صريحة، لكن حين حان الوقت لاختيار رئيسا للإقليم ورئيس للوزراء فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتزعمه “مسعود برزاني” قام بتسمية نجل برزاني لمنصب رئيس الوزراء، وتم تسمية نجل شقيق مسعود برزاني في منصب الرئيس، لذا لم يكُن من المستغرب إحجام الناخبين عن التصويت.

فالديمقراطية تتطلّب ما هو أكثر من مجرد انتخابات، فهي تتطلّب منافسة حقيقية بين الرؤى والأفكار، وحتى الديمقراطيات الراسخة تناضل من أجل الوصول لتلك المرحلة، لكن الدول التي تتخذ هذا المسار الديمقراطي، تقوم بعرض أفكار متشابهة وربما شخصيات بارزة متشابهة، وهنا فإن تلك الديمقراطيات ستواجه احتمال من اثنين فيما يخُص رد فعل الناخبين، وكلا الاحتمالين لن يكونا في صالح الأحزاب الرئيسية: إما الانسحاب من الانتخابات، وبالتالي إضعاف التفويض الممنوح لتلك الأحزاب، أو تفضيل الأحزاب الجديدة المتمردة وإعطاء أصواتهم لها.

عام من الانتخابات شهد قيام دول الشرق الأوسط بتوفير الفرصة للناخبين من أجل التصويت، والآن فإن على تلك الدول توفير الفرصة لهؤلاء من أجل التغيير.

AFP PHOTO/AHMAD AL-RUBAYE