الانفصال السياسي في تونس هو ضربة البداية لانتخابات العام القادم

فيصل اليافعي

عقب الانتخابات البلدية التي جرت في تونس خلال مايو الماضي؛ تم توجيه سؤال لرئيس حزب نداء تونس، أحد الحزبين الرئيسيين في البرلمان التونسي، عن احتمال قيام تحالف بين “نداء تونس” وبين الحزب الأخر (حزب النهضة الإسلامي) خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، وقد كان رئيس الجمهورية وزعيم حركة نداء تونس “الباجي قائد السبسي” حاسمًا حين أعلن عن “نهاية التوافق”.

وكان العد التنازلي قد بدأ في سبتمبر الماضي، حيث انتهت مدة التحالف الذي استمر 5 سنوات بين حركة نداء تونس وبين حركة “النهضة” التي كانت من الحركات المحظورة في السابق، والواقع أن تفاصيل عملية انتهاء التحالف مثيرة للإعجاب لكنها غير هامة على المستوى السياسي، وكانت القضية الرئيسية هي: لماذا انهار هذا التحالف؟، لذا فإن الإجابة تكمن في الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون واحده من الانتخابات الأكثر اهمية منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي في العام 2011.

والواقع أن الانفصال السياسي الذي تم بين الحزبين الرئيسيين اللذان قاما بقيادة الحياة السياسية في تونس على مدار السنوات السبع الماضية يعُد بمثابة طلقة البداية، وهناك منافسة تدور الآن بين الأحزاب السياسية والمرشحين من أجل محاولة كل كيان إعادة تعريف نفسه، ومحاولة كل حزب تغيير السياسة التي اتخذها خلال مرحلة ما بعد الثورة، أو مواجهة الفشل.

والحقيقة أن الانفصال السياسي كان يتنبأ له منذ فترة طويلة، فبعد سقوط نظام بن علي في العام 2011 سرت مخاوف بين بعض التونسيين من أن حركة النهضة (التي كانت محظورة طويلًا لكنها تملك شعبية في الشارع) ستعمل على الانفراد بالحكم، لكن حركة النهضة لم تنفرد بالحكم، وبدلًا من ذلك قامت بتشكيل تحالف مع حركة “نداء تونس”، وهي عبارة عن حزب سياسي مُعظم أعضاءه كانوا في مراكز قوة أثناء فترة حكم زين العابدين بن علي، وقد عمل الحزبين سويًا على مدار الأعوام الخمسة السابقة، وذلك العمل لم يكن يتسم في مُعظمه بالجودة والرضا، لكنه كان كافيًا لقيادة تونس خلال فترة انتقال ديمقراطية، في الوقت الذي واجهت فيه باقي دول الربيع العربي القمع والحرب الأهلية.

وقد كان إنهاء هذا التحالف منذ أسبوعين بمثابة القمة في سلسلة من الخطوات السياسية الصغيرة، كما أنه تصرف مترابط منطقيًا وأعاد الأمور إلى نصابها.

وفي البداية فقد كان واضحًا أن حزب “نداء تونس” بدأ يتمزّق داخليًا كما بدأ يفقد الدعم الخارجي، وفي خطوة أثارت الجدل بشكل هائل في العام 2016 تم تعيين “حافظ” إبن الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي رئيسًا لحزب نداء تونس، وأعقب تلك الخطوة موجة استقالات من أعضاء الحزب، مما اسفر عن انهيار الحزب خلال الانتخابات البلدية التي جرت العام الحالي حيث احتل حزب “نداء تونس” المركز الثالث في تلك الانتخابات، حيث سبقه حزب النهضة، والمفاجأة الحقيقية التي شهدتها تلك الانتخابات هي تفوق المرشحين المستقلين حيث أنهم احتلوا المركز الأول مجتمعين بحصولهم على 32% من الأصوات.

وكان الحدث الثاني الذي له صلة بتلك الأحداث هو صعود رئيس الوزراء الحالي يوسف الشاهد، الذي يُنظر إليه على أنه من تيار الوسط، وهو يشبه الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، ويوسف الشاهد هو رجل اقتصاد لم ينخرط في السياسية إلا بعد قيام الثورة، وقام حزب نداء تونس بتعيينه رئيسًا للوزراء، وهو الآن على خلاف مع القيادة (حزب نداء تونس)، لكنه يتمتّع بدعم عدد من الساخطين على الحزب، كما يتمتّع بدعم حركة “النهضة”.

وتلك الأفعال السياسية كان لها أثرها، خاصة في لحظة تشهد ترابطًا منطقيًا، وفي البداية فإن الانتخابات البلدية التي جرت العام الحالي شهدت خسارة الأحزاب السياسية لصالح المستقلين، وهذا يعني أن جمهور الناخبين بدأ يمل من الشراكة السياسية.

والأمر الثاني هو أن هناك جيل جديد يضع عينه على الرئاسة، والرئيس الحالي الباجي قايد السبسي يبلُغ من العُمر 91 عامًا، وهو ما يفسر مخاطرة الرجل بمواجهة معارضة الحزب حين اتخذ القرار بتصعيد نجله إلى السُلطة، أما زعيم حزب النهضة “راشد الغنوشي” فيبلُغ من العُمر 77 عامًا، وقد قال الحزب إن الغنوشي ربما يشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن هناك سر لم يفصح عنه حزب النهضة، وهو أن الحزب لديه مرشحين آخرين ربما يكونون أفضل من الغنوشي.

وهناك مرشحة نجمها في صعود وهي “سعاد عبد الرحيم”، التي تم تعيينها في يونيو لتكون أول رئيس لبلدية تونس من السيدات، وهي تبلُغ من العُمر 53 عامًا، وهي من الظاهر لا تتبع التيار الديني، فهي لا ترتدي الحجاب، وهي تختار أن تتحدّث عن شفافية الحكومة أكثر من الحديث عن الدين، وهي من نوع المرشحين الذين من الممكن لهم أن يكونوا واجهة عصرية لحزب النهضة ذي الخلفية الإسلامية، وعلى الرغم من أنها استفادت من دعم حزب النهضة إلا أنها فازت بالانتخابات كمرشح مستقل لتصبح رئيسًا لبلدية تونس.

وهي ناشطة أتت من بيئة متواضعة، وتم سجنها في عهد “بن علي”، وقد ظهرت باعتبارها أول عمدة لمدينة تونس لم تأت من بيئة غنية ولم يتم فرضها بالقوة، وإنها لقصة قوية في بلد يضُم الكثير من الشباب العاطل عن العمل، كما يشهد وجود الكثير من هؤلاء الذين يملكون الثروة والقوة منذ فترة حكم “بن علي” وحتى الآن.

ومن ثم فهناك لحظة انتقالية تلوح في الأفق، وذلك حينما يقوم الجيل الجديد بفصل نفسه عن الجيل السابق، وحينما يقوم القادة بفصل أنفسهم عن الأحزاب التي ينتمون إليها.

أما رئيس الوزراء يوسف الشاهد فقد قام فعلًا بفصل نفسه عن حركة “نداء تونس”، ويمكن له أن يكمل الطريق منفردًا، ومن الوارد أن يفعل ذلك باعتباره شخصًا غير حزبيًا ينتمي لطبقة الكفاءات (التكنوقراط)، وخلال المنافسة السياسية الصعبة التي تدور حاليًا؛ فإن حزب النهضة هو من قام بدعم يوسف الشاهد، والأكيد هو أن ذلك جاء بغرض إرباك الحزب الذي ينتمي إليه “الشاهد”، لكن ربما يكون السبب أيضًا (وهو ما يمكن أن يكون خارج الحسابات) لو أن “الشاهد” و”حافظ السبسي” نجل الرئيس الحالي اشتركا في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ فإن ذلك سوف يؤدي إلى تفتيت أصوات التيار العلماني وأصحاب رأس المال.

والواقع أن “حافظ السبسي” لا يتمتّع بشخصية مؤثرة، وقد عاش كثيرًا وهو مجرد ظل لأبيه، كما أنه مدين بالفضل للحقبة السياسية الخاصة بالرئيس المخلوع “زين العابدين بن علي”.

وفي تلك الحالة سيكون هناك منافسة رئاسية بين “حافظ” نجل الرجل السياسي الذي لم يكن في خدمة نظام “بن علي” فقط، وإنما كان في خدمة سلفه “الحبيب بورقيبة”، ضد “يوسف الشاهد” الذي ينتمي إلى طبقة التكنوقراط، وربما تكون المنافسة ضد الشخصية السياسية الإسلامية التي تتمتّع بالكاريزما “سعاد عبد الرحيم”، وسوف يوفر هذا للتونسيين فرصة حقيقية للاختيار بين البرامج السياسية، وهي الانتخابات التي لن يكون بها أفضلية لنجل الرئيس “السبسي” بوضعه الحالي.

وفي غضون انطلاق الانتخابات الرئاسية المقبلة فإن “السبسي” بات من الضروري له أن يفصل نفسه عن حزب “نداء تونس” وعن الجيل السابق، وإلا فإن توقعاته بحصد الاصوات ستذهب هباءً، وينتهي به الأمر وحيداً.

AFP PHOTO/FETHI BELAID