هل هناك سياسة إسرائيلية جديدة؟

الين ليبسون

AFP Photo: Emmanuel Dunand

أدت الفترة الزمنية الطويلة لبنيامين نتنياهو بصفته رئيس للوزراء الإسرائيلي إلى ترسيخ بعض الحقائق التقليدية حول سياسة الدولة وطبيعة نظامها الديموقراطي. وبالرغم من حالة الانشقاق الشديد في نسيج السياسية الإسرائيلية، خاصة مع تواجد أكثر من 36 حزباً، فقد كان بيبي زعيمًا سياسيًا فعالًا ومُحنّك، حيث قام بتعزيز السلطة والاستئِثار بها لنفسه، ولم يُلق بالاً لنوعيته شركائه في التحالف أو لأجنداتهم. وقد ساعدته الصبغة القومية العلمانية اليهودية المحافظة على مسح الصورة المتداولة حول واقع الديموقراطية الإسرائيلية. خاصة بالنسبة لمجتمعات الأقليات.

لذلك من المفيد النظر فيما إذا كان الائتلاف الجديد التي تولى زمام القيادة يمثل أي تحول مهم في الثقافة السياسية لإسرائيل، أو كما لاحظ العديد من المعلقين، مجرد انعكاس لحالة الإنهاك والاستياء التي يحملها الشارع الاسرائيلي تجاه نتنياهو وطريقة إدارته للشؤون السياسية. وحسب بعض الروايات، فإن التنوع الملحوظ في الائتلاف الجديد سبباً للتفاؤل – من حزب يائير لبيد الوسطي، إلى الحزب اليميني المؤيد للمستوطنين بقيادة نفتالي بينيت ، إلى الأحزاب الهامشية الأصغر من اليسار واليمين، وأبرزها حزب “راعم” الإسلامي بقيادة منصور عباس. فهل يمكن أن يُنظر إلى هذا على أنه رفض للاتجاه الذي وضعه حزب الليكود بزعامة بيبي للحد من الحقوق العربية داخل إسرائيل ورفض التعامل بشكل هادف مع السلطة الفلسطينية بخصوص إقامة دولة؟

إذا ما التزمنا بالنظرة الواقعية، فسنرى أن الحكومة الجديدة هشة ولا تملك جدول أعمال سياسي مفصل وواضح المعالم. حيث وافق كل حزب على تنحية طموحاته السياسية جانبا، والقبول بالحكم على أساس بعض المبادئ العامة للحكم الرشيد، ووضع حد للممارسات السامة والفاسدة المرتبطة بفترة نتنياهو. ويمكن لاي أزمة مبكرة أن تخلق صراع بين هذه الأحزاب الجديدة، أو تولد رد فعل عنيف يعكس المكونات المتنوعة التي تمثلها.

ونأمل أن يتمتع الإسرائيليون بتجربة إحساس روح الفريق، لكن رئيس الوزراء الجديد بينيت ( والذي يُعتبر شخصية مثيرة للانقسام ) قام بأخذ الدور الأول كرئيس للحكومة ثم سيُسلم السلطة إلى يائير لابيد في أغسطس 2023، ويمكن للمستوطنين جس نبضه من خلال مطالبهم، وخلق توترات حقيقية لشركاء التحالف الآخرين. ومن المنتظر أن تُركز الحكومة الجديدة على صياغة ميزانية تمتاز بشفافية أكثر، ويمكن للمرء أن يتخيل نشوب خلافات سياسية خطيرة حول الإنفاق وأولوياته.

والسؤال الوجودي هو ما إذا كان وجود حزب عربي يؤيد حل الدولتين (ويعتبر حزبًا “غير صهيونياً”)، فهل يؤدي وجود هذا الحزب إلى تحديات قانونية والتي يمكن أن تقوض الأغلبية الهزيلة التي سمحت لهذه المجموعة المتنوعة من الأطراف بتشكيل حكومة. ووفق تحليل مفيد في الواشنطن بوست، تتبع جاي غروسمان وديفوراه مانيكين ممارسة إقصاء الأحزاب العربية من الائتلافات الاسرائيلية إلى عام 1977 عندما وقع الزلزال السياسي الذي أطاح بحزب العمل وسلم مقاليد الحكم لحزب الليكود. وحينها تم تحديد القاعدة التي تنص على أنه لا ينبغي السماح للأحزاب غير الصهيونية بالمشاركة في القرارات المتعلقة بأمن إسرائيل أو الشؤون الخارجية (ونفس القاعدة تسري على الأحزاب اليهودية أيضًا). وواصل الليكود نزع الشرعية عن الأحزاب العربية مستخدماً طرق واساليب مختلفة.

وعليه، يمكن النظر إلى ضم حزب التجمع في الائتلاف باعتباره كسرًا للمحظورات، واستبدال معاملة الليكود للأحزاب العربية أو اليهودية المشتركة على أنها خارج التيار الديمقراطي بمفهوم أكثر تسامحًا وشمولية. لكن وفقًا لاستطلاع عام 2019 فإن خُمس الإسرائيليين فقط يتبنون هذه الفكرة، لذلك قد تكون هناك مشاكل في المستقبل القريب.

وقد أجرى توم فريدمان أحد كتاب الاعمدة في صحيفة نيويورك تايمز مقارنة ما بين خلع نتنياهو من رئاسة الوزراء وهزيمة دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية العام الماضي. وهو تشبيه سطحي – فقد تم التصويت على هذين الشخصين المثيرين للمتاعب والصخب للخروج من منصبيهما. وربما كان ذلك كون مزاج الناخبين في كلا الدوليتين أمريكا واسرائيل متشابهاً. لكن الناخبين الأمريكيين عادة ما يكون لديهم حزبين فقط للاختيار من بينهما، ويمثل جو بايدن حزباً سائداً يروج لمجموعة معهودة من القيم والخيارات السياسية، وقد فاز بكل من أصوات الكلية الشعبية والانتخابية. على النقيض من ذلك، لا يزال حزب الليكود هو القوة الأكبر في السياسة الإسرائيلية، لكن زعيمه أبعد شركائه الحاكمين، مما دفع بينيت للتحرك ضد حليفه السابق وعقد صفقات مع سبعة أحزاب صغيرة.

ومن زاوية أخرى، يعد سلوك الزعيمين أثناء تجرع الهزيمة مدعاه لإعادة النظر في صحة التشبيه أعلاه، حيث أدى رفض ترامب لقبول نتائج الانتخابات إلى إحداث دمار في عملية وبروتوكولات الانتقال الرئاسي، وأدى إلى الهجوم الكارثي على مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير / كانون الثاني. وإلى الآن، لم يحاول نتنياهو تدمير النظام، بالرغم من استخدمه لخطاب قاسي و مصطلح “السرقة” الذي استعاره من كتاب ترامب، وها نحن نراه يبدأ فصلاً جديدًا كزعيم للمعارضة.

وهو ما يعيدنا إلى قضية حالة عدم اليقين حول الديمقراطية الإسرائيلية والمستقبل المبهم. إن الانقسامات المجتمعية، والمظالم المتراكمة لعرب إسرائيل وسكان القدس والفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والأدلة الجديدة على أن التعايش السلمي داخل إسرائيل تحت التهديد، ليست قضايا ستتمكن هذه الحكومة الجديدة من حلها بيسر وسهولة. وأية آمال في أن الحكومة المنتخبة حديثاً ستتناول قضية فلسطين وتعيد تنشيط عملية السلام هي أحلام سرعان ما يُشتتها ضوء النهار.

لقد تعرضت المؤسسات الديمقراطية في إسرائيل للكدمات والضربات بسبب الفترة الطويلة التي انفرد بالحكم بها رجل سياسي واحد. لكنها افرزت شكل سياسي جديد مثير للاهتمام. وغالبًا ما يبدو النظام الحزبي المُتشتت في إسرائيل غير فعال، وقد أدت أربع انتخابات في غضون عامين إلى توترات ألمّت بمفاصل الدولة و هزت صورتها في الخارج. وسيحاول بينيت ولبيد خلق وضع طبيعي جديد للسياسة الإسرائيلية، إذا كان ذلك ممكنًا.

إلين ليبسون ، نائبة سابقة لرئيس مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي ، وتشغل حاليًا منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية شار للسياسة والحكومة بجامعة جورج ميسون في فيرجينيا. وهي رئيسة ومديرة تنفيذية سابقة لمركز ستيمسون بواشنطن