القرن الأفريقي على مشارف “صراع” جديد

عمر تاسبينار

AFP Photo: Zacharias Abubeker

بإلقاء نظرة خاطفة على الخريطة، سندرك ما سبب الأهمية التاريخية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حتى الآن. لقد أدركت الإمبراطوريات البرتغالية والإسبانية والهولندية والعثمانية والفرنسية والبريطانية المخاطر الجيوستراتيجية.

وكانت منطقة القرن الافريقي و البحر الاحمر مكانا حيوياً للتجارة البحرية العالمية حتى قبل إنشاء قناة السويس والتي جعلت الإبحار بين البحر المتوسط وغرب المحيط الهندي أمرًا ممكنًا.

واليوم، باتت كلٌ من الصين والولايات المتحدة الأمريكية تبحثان عن موطئ قدم لهما في هذه المنطقة مثلما كانت القوى الإمبريالية في الماضي. ومع ذلك، لا يمثل هذا التنافس من أجل الهيمنة سوى جزءًا من صورة أكثر تعقيدًا. ولفهم ما يجرى بشكل أفضل، هناك ثلاث تحليلات متباينة – لسياسات القوة المحلية والإقليمية والعالمية.

اللاعبان الرئيسيان في البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي هما إثيوبيا ومصر. ويبلغ عدد سكان كل منها أكثر من 100 مليون نسمة، وتواجه الدولتان تحديات هائلة تتعلق بالحكم، ولهما مصالح اقتصادية متباينة. وتدور نقطة الخلاف الرئيسية بين البلدين حول سد الطاقة الكهرومائي والبالغ تكلفته “4,5” مليار دولار أمريكي والذي تشيده إثيوبيا على النيل الأزرق. وتخشى القاهرة من أن المشروع سيقلص مواردها المائية المتناقصة بالفعل، ويهدد مصدر رزق عشرات الملايين من المصريين.

القائد الإثيوبي الشاب، آبي أحمد، هو رجل إصلاحي، ونال العام الماضي جائزة نوبل للسلام لحله النزاع الذي استمر طويلاً بين بلاده وإريتريا. ولكنه لا يرغب على الإطلاق في عقد أي تسوية بخصوص المشروع الضخم الطموح الجاري إنشاؤه على النيل الأزرق. وفي ظل العداوة غير المعهودة، أعلن “آبي” مؤخراً أنه سيحشد الملايين “المستعدون للحرب” على مصر إذا لزم الأمر. وهكذا يتصاعد التوتر بين البلدين. وتولى الرئيس ترامب – وهو قائد معروف بافتقاره للمهارات الدبلوماسية – دوراً لا يناسبه وهو دور الوسيط بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي و”آبي أحمد”، لكنه لم ينجح حتى الآن في الوصول إلي حل.

والدول الأخرى في المنطقة تعاني هي الأخرى من مشاكل بخصوص الحكم والأمن. فالسودان لا يواجه فقط انتقالًا صعبًا من الحكم الاستبدادي العسكري إلى الحكم المدني، بل أيضًا حروبًا أهلية صغيرة ومتعددة داخل أراضيه الواسعة. وأثبتت الصومال أنها غير قادرة على كبح جماح التهديد الإرهابي المتزايد والمتمثل في حركة الشباب المجاهدين. وتعاني المنطقة أيضًا من جميع المشاكل الإضافية المتعلقة بارتفاع أعداد الشباب فيها بأغلبية ساحقة، وارتفاع نسبة البطالة، وعدم وجود احتمال واضح للنمو الاقتصادي. كل ذلك يجعل آفاق الأمن والحكم الرشيد والتعاون الاقتصادي تبدو قاتمة للغاية.

وبنظرة أوسع على المستوى الإقليمي، يُعتبر القرن الإفريقي والبحر الأحمر موطنا لتنافس متزايد بين اللاعبين في الشرق الأوسط. لقد استخدمت كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر في العقد الماضي ثرواتهم النفطية لزيادة استثماراتهم بشكل كبير. وكانت تركيا نشطة للغاية في الصومال والسودان في السنوات العشر الماضية، ومارست دور الوريث للإمبراطورية العثمانية، ونشطت كذلك في علاقاتها الاقتصادية والجغرافية الاستراتيجية بالمنطقة. ولا غرابة في أن تكون الإمبريالية التركية الجديدة قد أغضبت مصر والسعودية وهما ينظران إلى المنطقة باعتبارها منطقة نفوذ لهما.

وفي عام 2017، ازدادت الانقسامات الإقليمية سوءًا، عندما تضافرت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر ضد قطر وتركيا. وفي منطقة القرن الأفريقي، كان للأزمة الخليجية تداعياتها على الصومال، حيث سعت الحكومة الصومالية إلى الوقوف موقف الحياد لكنها دعمت قطر وتركيا في نهاية الأمر. ونتيجة لذلك، لم يفقد الصومال الدعم المالي من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية فحسب، بل كان عليه أيضًا مراقبة تدفق الاستثمارات من هذين البلدين إلى منطقة أرض الصومال المنفصلة.

وفي السودان، قد يجد النظام الجديد نفسه عالقًا وبسهولة بين العديد من المصالح المتنافسة بين دول الخليج وتركيا. والأمر المؤكد هو أن البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي يبرزان كمنطقة يتنافس عليها اللاعبون في الشرق الأوسط من أجل النفوذ الإقليمي.

وأخيرًا، هناك منافسة عالمية بين أمثال الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وكلتاهما تسعيان إلى تكوين وجود تجاري وعسكري في المنطقة. إن التنافس على النفوذ في جيبوتي، ذلك البلد الذي يقل عدد سكانه عن مليون نسمة، ويبلغ ناتجه المحلي الإجمالي أقل من 1.8 مليار دولار أمريكي، ويفتقر إلى الموارد الطبيعية تقريبًا، هو أوضح مثال على هذا السيناريو الواضح.

وأقامت الصين مؤخرًا أول منشأة عسكرية خارجية في جيبوتي على بعد أقل من 10 كيلومترات من القاعدة الأمريكية الوحيدة في إفريقيا. ونتيجة لذلك، باتت البحرية الصينية تشرف على واحدة من أهم نقاط المرور البحرية في العالم، وهي مضيق باب المندب، والذي يستوعب ما بين “15%” إلى “20%” من حجم التجارة العالمية كل عام. وهناك نسخة جديدة من مشهد “صراع القوى العظمى ” جاري الترتيب له في المنطقة.

وسواء أكان الصراع على المياه بين إثيوبيا ومصر، أو خلافات جيوسياسية بين تركيا والمملكة العربية السعودية، أو الجهود التي تبذلها الصين والولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة على التجارة البحرية العالمية، فإن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر تواجهان صراعات متعددة المستويات.

وبالنسبة لمنطقة ذات مؤسسات ضعيفة، فقد تكون أهمية الجغرافيا الاستراتيجية نعمة ونقمة في ذات الوقت . ولكن في النهاية، ستكون دول تلك المنطقة – إثيوبيا ومصر والسودان والصومال – وكفاءة حكوماتهم أو ما يماثلها هي التي ستحدد ما إذا كان ارتباطها بتلك الأهمية الجغرافية الاستراتيجية منفعة أم لعنة

عمر تاسبينار، زميل أقدم في معهد بروكينغز، وأستاذ استراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.