استنكار دولي لفرنسا وازدياد حدة عزلتها في الساحل الأفريقي

فيصل اليافعي

AFP Photo: Alvaro Barrientos

بعد فترة من التحضيرات والاستعدادات، جاء الرد الأمريكي مستهجنًا الفرنسيين. ولعدة أسابيع، منذ أن جمع الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، زعماء خمس دول في غرب إفريقيا لاقتراح تشكيل جبهة موحدة بشأن الحرب المتصاعدة في الساحل الأفريقي، تحذر فرنسا علنًا من مخاطر سحب الولايات المتحدة الأمريكية لقواتها من المنطقة. وأرسل ماكرون هذا الأسبوع وزير خارجيته إلى واشنطن لحمل واشنطن على البقاء في المنطقة. وكان الرد الأمريكي ملتبسًا: فلم يتخذ الأمريكيون قرارًا بعد.
ويشعر “ماكرون” بأن الأمريكيين أساءوا فهمه. وفي ظل مواجهة الاحتجاجات في فرنسا الناجمة عن مقتل الجنود الفرنسيين والاحتجاجات المندلعة في غرب إفريقيا والتي توضح ما يدور حاليًا من عمليات عسكرية بالتاريخ الاستعماري الوحشي لفرنسا، يبدو أنه لا أحد يفهم ما يريده “ماكرون” – سواء

مواطنيه، أو حلفاؤه الغربيون، ولا حتى الشعوب التي يعتقد أنه أرسل جنوده لمساعدتها.
ومع ذلك، وإذا كان أهل الساحل الأفريقي لم يفهموا مقصد “ماكرون” بالشكل الصحيح، فقد أساء “ماكرون” هو الآخر فهمهم. إن ما يحول بين “ماكرون” ودول الساحل الأفريقي هي ذكريات الماضي، وهو ما يجعل دول الساحل غير مدركة لأفكار “ماكرون”، كما أن الأخطاء التي ارتكبتها فرنسا في الماضي تحول دون اتخاذ الخطوات الصحيحة في الوقت الحاضر.
وجاء اجتماع 13 يناير في مدينة “باو” نتيجة استياء ماكرون من الاحتجاجات المناهضة لفرنسا في ثلاث دول في غرب إفريقيا، وبهذا يبرهن “ماكرون” أنه غاضب من الانتقادات، وأن غضبه، كما حدث في المؤتمر الصحفي الذي أعقب القمة، أصبح مخيفًا. وقال “ماكرون” في القمة، “أعرف من يموت من أجل مواطني النيجر ومالي وبوركينا فاسو”. “إنهم جنود فرنسا”.

إن نكران الفضل لا مبرر له وغير منصف. لقد توفي جنود من كل بلدان الساحل الأفريقي أثناء قتالهم ضد المسلحين – وتلك هي البلدان التي تستقبل تصريحات “ماكرون” باستهجان شديد، من خلال الإشارة إلى أسلوب الوفاة – وبأعداد كبيرة جدًا. وتشير التقديرات إلى أن عدد من توفوا في عام 2019 بلغ “4,000” شخصًا، وبالكاد لا يمر شهر دون وقوع مجزرة. وبعد يومين من القمة المنعقدة في فرنسا، لقي 89 جنديًا من النيجر مصرعهم في هجوم واحد على قاعدة عسكرية. وفي الشهر السابق، أودى هجوم آخر بحياة 71 جنديًا. إن الحرب في الساحل الأفريقي وحشية ودموية، ويبدو أنها غير محسومة.

إن من يحتج على المهمة الفرنسية في غرب أفريقيا ليست شعوب دول الساحل الأفريقي فقط، بل الشعب الفرنسي ذاته. وفي مالي، تعرضت البلاد لصدمة قوية بعد مقتل 13 جنديًا في نوفمبر / تشرين الثاني، وهي أكبر خسائرها الفردية منذ أربعة عقود تقريبًا، وترتب عليها مطالبة “ماكرون” بسحب قواته من مالي. بل أن الحلفاء الغربيين متشككون فيما يفعله ماكرون. واتسم الرد على الخطة الفرنسية لتشكيل جيش من جميع الدول الأوروبية في المنطقة بالفتور، أو بعبارة آخري، رفضت القوى العسكرية في أوروبا المشاركة في تلك القوة الأوربية.

وإذا أصبحت الحرب غير محسومة، فلأنها أيضًا معركة مع التاريخ. لقد بدأ التدخل في غرب إفريقيا قبل خمس سنوات كوسيلة للدفاع عن الدول الضعيفة من الجماعات المسلحة، وانتهى الأمر بدعم حكومات لا تحظى بشعبية، إثارة ذكريات التاريخ الاستعماري الطويل لفرنسا في منطقة الساحل الأفريقي.

يعيش ماكرون موقفًا صعبًا بسبب تهمة التدخل في شؤون دول غرب إفريقيا. لكنه ربما مدركًا لهذا الأمر حق الإدراك.

ولا يبدو أن الرئيس “ماكرون” يدرك أن المحتجين تدخل فرنسا في بلادهم، يحتجون أيضًا على حكوماتهم. ويبدو أن ماكرون شديد القلق بسبب المظاهرات المناهضة للفرنسية في مالي، لكن يبدو أنه غير مدرك أنه على مدار عامين يحتج عشرات الآلاف بانتظام على حكومة بلادهم. وفي الواقع، استقالت حكومة مالي جميعها في أبريل من العام الماضي، وذلك استجابةً للاحتجاجات على عجز الحكومة عن السيطرة على العنف.

وتتمثل إستراتيجية فرنسا في نشر قوات فرنسية لكبح جماح الميليشيات، وليس التدخل في الشؤون الداخلية للدول المعنية. ولكن المليشيات ليست سوى عرض للمشكلة السياسية الأكبر. لقد وجد التمرد موطئ قدم بسبب الفساد والاتجار بالبشر والفقر. وبدون ممارسة الضغوط السياسية على الحكومات، فلن يكون العمل العسكري في الصحاري سوى حل قصير الأجل. ومع ذلك، يرهب الفرنسيون أي نقد يربط السياسات الحالية بإرثهم الاستعماري لدرجة أنهم يمنعون فعليًا أي مساعدة حقيقية لشعوب الساحل الأفريقي.

لقد نشأ التمرد الحالي في مالي بسبب انقسامات كبيرة بين الشمال والجنوب. وتقع عاصمة البلاد “بامكو” في جنوب البلاد. ويسعى الشمال إلى إلغاء مركزية السلطة والمساعدات الإنسانية، واستعادة الخدمات الأساسية. ولكن الحوار بشأن هاتين المسألتين يتم تأجيله حتى استعادة واستقرار الأمن. ومع ذلك، كان الفشل في التعامل مع هاتين المسألتين هو السبب الأول في اندلاع العنف في البلاد.
ومن الأفضل لماكرون ربط المساعدات العسكرية بالإصلاح السياسي. وحتى يتثنى له ذلك، يجب على “ماكرون” أولاً التغلب على خوفه من وصم تدخله في دول غرب أفريقيا بالتدخل الاستعماري.
وهناك مفارقة في كيف لأحداث الماضي أن تشكل الحاضر في غرب إفريقيا. ورأى ماكرون وسلفه، فرانسوا أولاند، وهو أول من أطلق المهمة الفرنسية في غرب إفريقيا، أن المهمة الفرنسية في الأصل وسيلة لإعطاء فرنسا دورًا أكبر في العالم.

وإذا كانت ذكريات الماضي قد حملت دول أخرى على الاحتجاج، فمن المحتمل أن يكون “ماكرون” قد حصل على بعض الغطاء السياسي: وإن مطالبة حكومات غرب إفريقيا بالإصلاح تبدو أفضل إذا جاءت من مجموعة من العواصم الأفريقية أو الأوروبية، بدلاً من باريس وحدها.

 

غير أن تلك المرحلة قد ولت. وكلما طال أمد الصراع، كان حل المشكلة أصعب، وقل عدد الحلفاء المستعدين للمشاركة في هذا الصراع. وبالنسبة لبقية دول العالم، كان أكثرها مستهجنًا للحرب في الساحل الأفريقي.