المشاكل المحيطة بكبرى شركات الطاقة قد تعوق شركات النفط الوطنية

روبن ميلز

AFP Photo

تشهد شركة أرامكو السعودية وضع اللمسات الأخيرة لأول طرح عام لها، وتنظم الشركة هذا الأسبوع أكبر مؤتمر للنفط في العالم في أبو ظبي. ومن ناحية أخرى، تشير التقارير إلى تراجع في معدل أرباح واستثمارات كبرى شركات النفط العالمية. وتشير تلك الأحداث إلى وجود فجوة حادة بين كبرى شركات الطاقة الحكومية في منطقة الشرق الأوسط ونظرياتها الغربية المملوكة للمستثمرين. غير أن الواقع يشير إلى أن كلاهما يواجه تحديات. وبينما قد ترى بعض الشركات أن الفرصة سانحة لكبرى شركات النفط الحكومية للاستحواذ على أصول كبرى الشركات الغربية وحصتها في السوق، فإنها قد لا تملك موارد كافية للاستحواذ هي الأخرى.

ولنبدأ بكبرى الشركات. حيث سجلت شركات “شل” و”بريتيش بتروليوم” و”توتال” و”شيفرون” و”إكسون موبيل” انخفاضًا حادًا في الأرباح خلال الربع الثالث، نتيجة لانخفاض أسعار النفط نسبيًا، وانهيار أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية والآسيوية الرئيسية. أصبحت حقول الصخر الزيتي في الولايات المتحدة، والتي كانت فيما مضى موطنًا لقراصنة النفط والغاز ، الآن ملكًا للشركات النفط الخمس العملاقة – رغم أنهم لم يقنعوا المستثمرين بعد بإمكانية تحقيق تدفق نقدي مستدام حيث فشل أسلافهم. وفي الوقت نفسه، فإن مشاريعهم العملاقة والحيوية التقليدية في المناطق النائية – تكون محل شكٍ أيضًا. ومنذ شهر أبريل، انخفض سعر سهم شركة “إكسون موبيل” بنسبة 12 في المائة، على الرغم من أن الشركة افتتحت واحدة من أكثر استكشافات النفط الواعدة في العالم، قبالة دولة “غيانا”، ويريد المستثمرون عوائد سريعة منخفضة
المخاطر.

وتواجه الشركات الأوروبية الكبرى، بما في ذلك “شل” و”بريتيش بتروليوم” و”توتال” و”إكوينور” ضغطًا إضافيًا لم يشعر به الأمريكيون فعليًا – وهو الطلب لاتخاذ إجراء بخصوص التغير المناخي. فهناك اهتمام متزايد بفكرة “الأصول العالقة”، وهي أن القيود المستقبلية على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ستجعل الكثير من تجارة النفط والغاز الحالية في تلك الشركات غير مربحة. وهذا أمرٌ مبالغ فيه في الوقت الراهن. ومع ذلك، انسحب بعض المستثمرين من القطاع بالكامل، بينما طالب معظمهم بوضح خطة واضحة لهذه الشركات لتصبح “متوافقة مع المناخ”.

لذلك، وفي ظل جميع الصعوبات المتعلقة بالوقود الحفري، باتت الشركات الأوروبية تمارس أنشطة جديدة، مثل: الرياح البحرية، والطاقة الشمسية، وتجارة الكهرباء بالتجزئة، وشحن المركبات الكهربائية، وتطوير البطاريات. (وشهدت هذا الشهر بيع “إيلوفي”، الشركة الفرنسية المطورة لمشروع طاقة الرياح العائمة، إلى شركة “شل”)، والآن، سنرى ما إذا كانت مهارات شركات النفط يمكن أن تنتقل إلى هذه الأعمال الجديدة. ومع ذلك، سيتعين على كل شركة القيام بعملية استحواذ عملاقة لتكوين أنشطة تجارية ذات انبعاثات كربون مخفضة. ومن الواضح أن هذه الأوقات ليست سهلة بالنسبة للشركات الكبرى.

وفي الوقت نفسه، تواجه شركات النفط الوطنية العملاقة، مثل أرامكو السعودية، وشركة بترول أبو ظبي الوطنية، ومؤسسة البترول الكويتية، وقطر للبترول، تحديًا ذا بعدين. فهم مطالبون بدعم خطط التحول في بلدانهم، للانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط، ومطالبون أيضًا بمواجهة التحديات المتعلقة بأزمة المناخ.

وسعت شركات النفط الوطنية، وهي عادةً الكيانات الأفضل إدارة في موطنها، بما تمتلكه من رأس مال هائل، إلى جني المزيد من الأموال بعيدًا عن مجرد استخراج المواد الهيدروكربونية وبيعها. فنرى أن جميع الشركات تتوسع في أعمالها في مجال التكرير والتسويق – أنشطة معالجة النفط والغاز ونقلها وتداولها وتسويقها، وبناء مصافي متكاملة ومجمعات بتروكيماوية عملاقة، خاصة من خلال المشاريع المشتركة، للوصول إلى الأسواق الآسيوية سريعة النمو، وكان البداية بالصين، والآن الهند.

في قطاع الاستكشاف والإنتاج، تركز الشركات الوطنية العملاقة على الغاز، وذلك لتلبية الاحتياجات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، استثمرت أرامكو في الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة كجزء من خططها لبناء محفظة دولية. وتمضي قطر، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، قدمًا في خططها لزيادة الطاقة الإنتاجية بنسبة 40 في المائة.
وعلى العموم، فإن شركات النفط الوطنية لا تواجه مع الوقود الحفري نفس الصعوبات التي يواجها نظيراتها الغربيين.

ولكن ماذا عن التنويع الساخر بعيدًا عن الوقود الحفري؟، ذلك التنويع المحلي الحقيقي بعيدًا عن النفط، لقد توقف في الواقع. وتواجه شركات النفط الوطنية حالة من القلق بسبب المفاضلة بين الاستثمار في أعمالها الأساسية وتمويل الأعمال الأخرى الخاصة بها في البلدان المضيفة. ويتجلى هذا القلق بشكل كبير في المسيرة الطويلة للطرح العام الأولي لأرامكو السعودية.

وتاريخيًا، كانت أرامكو مجموعة من التكنوقراط المتميزين، وفيها تُدار جميع موارد المملكة النفطية الهائلة بكفاءة وبدون تسيس. ولكن هذا تغير مع الإعلان عن الطرح العام الأولي في عام 2016، وهي المفارقة التي من المفترض لها تحقيق المزيد من الشفافية والتوجه التجاري. في عام 2018، صدرت تعليمات إلى أرامكو بشراء حصة صندوق الاستثمار العام البالغة 70 في المائة في الشركة السعودية للصناعات الأساسية، والمعروفة أكثر باسم سابك، نظير سعر رأته أرامكو أنه مبالغ فيها. ومنذ ذلك الحين، هبطت أسهم شركة “أرامكو” نحو 30 في المائة.
وفي أيلول/ سبتمبر، تم إزاحة خالد الفالح، المدير التنفيذي المعروف لشركة أرامكو، عن منصبه، واستبداله بالأمير عبد العزيز بن سلمان كوزيرٍ للطاقة، والسيد “ياسر الرميان”، مساعد العهد ورئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار العام كرئيس لمجلس إدارة شركة “أرامكو”.

وتعهدت أرامكو بتوزيع أرباح ضخمة لتعزيز تقييمها في الطرح العام الأولي المقبل، والذي سيكون مقتصرًا في البداية على سوق الأوراق المالية المحلي، وحتى تتمكن الشركة من تحويل أكبر قدر من الأموال إلى صندوق الاستثمار المالي. ومن المتوقع أن يقود صندوق الاستثمار المالي عملية التحول التي تنشدها المملكة من خلال بناء مدينة نيوم الحديثة، والاستحواذ على حصص في شركات التكنولوجيا مثل تيسلا وأوبر، من خلال صندوق سوفتبنك فيجن، المملوك لشركة “WeWork” العقارية المشهورة. ومن ثم، فإن الرؤية هي أن يمول الاقتصاد القديم الاقتصاد الجديد. ولكن بالنسبة إلى شركة أرامكو، قد تقيد تلك الخطة قدرة الشركة على مواصلة الاستثمار في أعمالها الأساسية، وخاصة إذا انخفضت أسعار النفط.

قد تسعى شركات النفط الوطنية إلى أن تكون “البقاء حتى آخر نفس” في ظل تقليص نسب انباعاثات الكربون، وانخفاض أسعار النفط، الأمر الذي دفع المنافسين الدوليين الأثرياء إلى وقف أعمالهم. لكن الأمر في حد ذاته يتطلب استثمارات ضخمة، ومازالت الشركات الوطنية تواجه قيودًا بسبب أزمة المناخ. ونظرًا لأن الشركات الكبرى، ولاسيما الشركات الأوروبية، تبعد تدريجياً عن مجال النفط، فهذا من شأنه أن يفسح المجال أمام شركات النفط الوطنية لعمليات استحواذ جريئة. غير أن تلك الشركات الحكومية لا يمكنها سد الفجوة إلا إذا ابتدعت الحكومات المضيفة عن مجال النفط في نفس الوقت.

روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة قمر للطاقة، ومؤلف كتاب “خرافة أزمة النفط”.