أوقات عصيبة في انتظار الخطوط الجوية التركية والاقتصاد التركي

AFP Photo: Ozan Kose

أضحت صناعة الطيران العالمي على حافة الانهيار بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”. ففي ألمانيا، اضطرت الحكومة إلى منح شركة لوفتهانزا الوطنية للنقل الجوي مبلغ إنقاذ مالي بقيمة “10” مليار دولار أمريكي، في حين قدمت شركة الطيران البريطانية “فلاي بي” والشركات التابعة لشركة الخطوط الجوية النرويجية طلبًا لإشهار إفلاسها. وتشير التوقعات إلى أن صناعة الطيران ستنخفض إيراداتها بنسبة “50%” هذا العام. ويقدر اتحاد النقل الجوي الدولي تعرض “32” مليون وظيفة للخطر في “أسوأ عام في تاريخ الطيران”.

ومع ذلك، يبدو أن إحدى شركات الطيران تعارض هذا التوجه. حيث أعلن رئيس الخطوط الجوية التركية، “إيلكر آيجه”، أن شركة الطيران الوطنية التركية ستتغلب على الأزمة دون أي تسريح للعمال، بالإضافة إلى عدم تخفيض الوظائف لمدة عامين على الأقل.

لا تعد شركة الخطوط الجوية التركية شركة النقل الجوي الرسمي للبلاد وحسب، ولكنها تعد بالنسبة للدولة، التي تمتلك حصة “49%” من الشركة، مؤشر القوة الناعمة لأنقرة. وهناك علاقة وثيقة بين رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، وشركة الطيران. فعلى سبيل المثال، شغل “إيلكر آيجه”، والذي لم يكن لديه أي خبرة في الطيران قبل تعيينه رئيسًا لشركة الطيران الوطنية، أول منصب له في عام 1994 كمستشار لأردوغان الذي كان يشغل منصب رئيس بلدية اسطنبول آنذاك. وبالتالي، بات مصير شركة الطيران وحالتها، أكثر من أي شيء آخر في البلاد، مؤشرًا على حالة الشعب التركي بأسره، وأداء أردوغان بصفة خاصة. وهذا ما يفسر الرغبة في تغيير أوضاع الشركة إلى الأفضل.

فبعد انقضاء ثلاثة أشهر على إلغاء رحلات الركاب، لم يبقى أمام جميع شركات الطيران الأخرى في العالم أي خيار سوى الاستغناء عن الموظفين. ومن الشركات التي سرحت موظفيها، شركات طيران الإمارات، والاتحاد للطيران، والخطوط الجوية القطرية – وغيرها من الشركات الإقليمية المشابهة لشركة الخطوط الجوية التركية. فكيف تجنبت الخطوط الجوية التركية هذا المصير؟

أولاً، بموجب شروط حزمة التحفيز التي قدمتها الحكومة في 15 مارس/آذار، يحظر على أي شركة إلغاء أي وظائف قبل منتصف شهر يوليه/تموز على أقرب تقدير. (وهذا بالطبع أمر مقبول!)، ولكن “إيلكر” يعد بعدم فقدان الوظائف لمدة عامين، على الرغم من انخفاض حركة الطيران بنسبة “85%”.

وإليكم كيف تسير هذه الخطة. تم تحديد عدد ساعات عمل أقل لموظفي الخطوط الجوية التركية، ويقتصر عملهم على “4” إلى “12” يومًا في الشهر. وهذا تخفيض فعلي في عدد الموظفين بدوام كامل، وهو ما سمح لشركة الطيران بتقليص تكلفة الأجور الشهرية إلى 13 مليون دولار أمريكي بدلاً من 172 مليون دولار أمريكي. وبالإضافة إلى ذلك، تم منح الموظفين الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا إجازة بدون أجر.

وقال “أيلكر” أن ثمة تضحيات يجب تقديمها. وربما استبدلها بقوله “المزيد من التضحيات”. ففي 5 نيسان/ أبريل، ألغت الخطوط الجوية التركية التأمين الصحي الخاص لجميع موظفيها البالغ عددهم “31,000” وعائلاتهم – وهو إجراء وصفته نقابة العمال بأنه “حل سريع وله أضرارًا طويلة المدى”.

وتم تحقيق بعض الوفورات من بيع الطائرات القديمة واستخدام طائرات الركاب الفارغة لنقل البضائع. وهناك أيضًا حديث عن تأخير تسليم 180 طائرة – كان من المقرر وصولها ما بين عامي 2020 و 2024 – وتأجيل مدفوعات ما قبل تسليمها. إلا أن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي لتغطية الخسائر المالية غير المسبوقة الناتجة عن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، ولاسيما أن الخطوط الجوية التركية تكبدت بالفعل خسائر حتى قبل تفشي الجائحة.

حيث أنفقت الخطوط الجوية التركية مبالغ طائلة للانتقال إلى مركزها الجديد في مطار إسطنبول في شهر نيسان/ أبريل من عام 2019، ومنذ ذلك الحين زاد الإنفاق السنوي للشركة بنسبة “30%” بسبب ذلك. ثم خسرت الشركة 35 مليون دولار أمريكي في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام من خلال التحوط ضد تقلبات أسعار الوقود، حيث انخفضت الأسعار النقدية للوقود إلى ما دون التكاليف المتعاقد عليها.

وفي شهر يونيه/حزيران، خفضت وكالة موديز تصنيف شركات الخطوط الجوية التركية من فئة “B2” إلى فئة “B3” – وهو ما دون درجة الاستثمار بست درجات – كما خفضت احتمال تصنيفها الافتراضي من فئة “B2-PD” إلى فئة “B3-PD”. ومن وجهة نظر وكالة التصنيف، فإن السبب في التوقعات السلبية هو الديون قصيرة الأجل لشركات الطيران والتي تبلغ 1.4 مليار دولار أمريكي، وعدم وجود “احتياطي قوي من السيولة المالية”. وقالت الوكالة: “إن الاعتماد على القروض قصيرة الأجل التي يتم تأجيل سدادها، وخطوط الائتمان غير الملتزم بها يعد مصادر سيولة ضعيفة، وهذا يخلق المزيد من عدم اليقين في ظل بيئة الاقتصاد الكلي المتدهورة حاليًا، ومستقبل صناعة الطيران المليء بالتحديات.”

ونقلاً عن وكالة “رويترز”، قال “أيلكر” في مؤتمر صحفي افتراضي في نهاية شهر آيار/ مايو، أن أعداد الركاب انخفضت بنسبة “60%” عن التوقعات الأولية لهذا العام. وهذا ليس مؤشرًا جيدًا لعلامة تجارية تضع خططها التجارية وفقًا لتدفق الركاب وقصد أكبر عدد من الأماكن – وهما السببان اللذان دفعا الشركة إلى بناء مقرها الجديد والأكبر.

ومن ثم، هل تكون متاعب الخطوط الجوية التركية – والتي تمثل رمزًا للدولة – تحذيرًا ما؟. في الواقع، هناك تنسيق شديد بين شركة الطيران والدولة فيما يتعلق بخطط الشركة باعتبار أن خططها مؤشرًا لأداء الدولة. وبعد أن خفضت وكالتي موديز وستاندرد آند بورز بالفعل التصنيف السيادي للبلاد أربع درجات دون درجة الاستثمار، فعلى الشركة الاستعداد لأوقات عصيبة.

 

ألكسندرا دي كريمر، صحافية تقيم في اسطنبول. وتنقل “ألكسندرا” أخبار الربيع العربي من بيروت بصفتها مراسلة في الشرق الأوسط لصحيفة “مليت”. وتتناول “ألكسندار” في عملها أخبار الشؤون الجارية والأخبار الثقافية، ولها كتابات في مجلات “مونكليه” و”كورير”، و”مايسون فرانشيز” وصحيفة “اسطنبول آرت نيوز”.