بعد مقتل 13 تركيًا، أنقرة تهدد بتصدير استراتيجيتها في سوريا إلى العراق

فيصل اليافعي

AFP Photo: Adem Altan

أثار مقتل 13 مواطنًا تركيًا داخل العراق فبراير/شباط خلافًا سياسيًا حادًا يمتد أثره من واشنطن إلى طهران – ولا يبدو أن هذا الخلاف سينتهي. لقد أصبح الخلاف خطيرًا للغاية – وهكذا يبدو أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يرغب في استمرار هذا الخلاف – لدرجة أنه قد يدفع تركيا إلى نقل استراتيجيتها المثيرة للجدل في سوريا إلى العراق نفسه.

وفي 28 فبراير/شباط، اشتدت حدة الخلاف، وذلك عندما استدعت تركيا السفير الإيراني في أنقرة للاحتجاج على تصريحات دبلوماسي إيراني آخر حول تدخل تركيا في شمال العراق. وفي المقابل، استدعت إيران سفير أنقرة.

ويعود الخلاف إلى منتصف فبراير/شباط، عندما عثرت القوات التركية، في عملية ضد المسلحين الأكراد داخل العراق، على جثث 13 مواطنًا تركيًا اختطفهم مسلحون من حزب العمال الكردستاني.

وذهب أردوغان على الفور إلى انتقاد واشنطن بسبب ما قال إنه إدانة غير شديدة بما فيه الكفاية من جانب واشنطن لحزب العمال الكردستاني، وقال بصوت عالي، “”ببساطة ووضوح، أنتِ معهم وتسانديهم، وبعدها اعتقلت تركيا أكثر من 700 شخص على صلة بمقتل المدنيين الأتراك.

وأذعنت وزارة الخارجية الأمريكية في نهاية المطاف بعد أول محادثة بين وزيري خارجية البلدين في عهد بايدن، وألقت واشنطن باللوم بشكل أكثر تحديدا على حزب العمال الكردستاني، مؤكدةً أن “إرهابيي حزب العمال الكردستاني يتحملون المسؤولية”.

وسرعان ما وجه أردوغان تهديده الأكثر وضوحًا، وهو تصدير استراتيجية الحدود من سوريا، وتشكيل “منطقة آمنة” عبر شمال العراق. وقال “أردوغان” لمؤيدي الحزب: “إن ما حدث في غارا [في شمال العراق] قد أكد صحة آراءنا بشأن إنشاء منطقة آمنة عبر حدودنا”. وأضاف، “سنبقى في هذه الأماكن، التي سنؤمنها، بالقدر الذي نضمن به عدم التعرض لمثل هذا الهجوم مرة أخرى.”

وتلك هي العلاقات المتشابكة التي تجمع دول المنطقة جمعيها مثل سوريا وتركيا والعراق وإيران، وفي ظلها قد تؤدي أي حادثة محكمة نسبيًا، ولو كانت مأساوية، إلى إعادة تشكيل العلاقات بين تركيا والعراق، والعراق وإيران.

وتتسم استراتيجية تركيا الحدودية في شمال سوريا بأنها مثيرة جدًا للجدل، كما أنها ناجحة من وجهة نظر أنقرة. وتنفذ تركيا من عام 2016 عمليات عسكرية على الجانب السوري من الحدود، بهدف طرد الميليشيات الكردية التي كانت تشن هجمات عبر الحدود. وبدلاً من ذلك، أقامت تركيا مناطق آمنة: دويلات بحكم الأمر الواقع يحرسها الجنود الأتراك، وتخدمها المرافق التركية وتعمل بالاشتراك مع المسؤولين الأتراك والسوريين.

وعاد إلى هذه المناطق مئات الآلاف من السوريين الذين كانوا لاجئين سابقين في تركيا. وتخطط أنقرة لإعادة ملايين آخرين على الأرجح، وبهذا تنهي أزمة اللاجئين داخل حدودها.

ومن نافلة القول أن هذه المناطق الآمنة تعيش في مأزق قانوني، وهي أن وجودها مرهون ببقاء سوريا ممزقة بالحرب الأهلية، ونظام الأسد لا يعبأ كثيرًا باستعادة هذه المناطق بالقوة.

إن التوسع في تلك المناطق الآمنة وصولاً إلى العراق سيكون أمرًا مثيرًا للجدل إلى حد كبير. قد يكون العراق منقسما حتى اللحظة بسبب الصراع، ولكن الحكومة المركزية تسيطر على حدوده. وتعبر الطائرات المقاتلة والجنود الأتراك الحدود لتنفيذ عمليات داخل المنطقة الكردية في شمال العراق، وكانت هذه سمة من سمات المنطقة لبعض الوقت، ولكن وجود “منطقة آمنة” ودائمة سيكون تصعيدًا كبيرًا. إن انتقال الجنود الأتراك عبر أجزاء من البلاد واحتلالها من شأنه أن يثير الصراع، ما لم يتم التنسيق مع العراقيين.

وهنا يتضح السبب في عدم وجود دلائل على نهاية هذا الخلاف. لأن أنقرة وبغداد وطهران يدركون أنه هناك في شمال العراق من قد يقبل بفكرة إنشاء منطقة آمنة تركية، رغم صدمة الفكرة ذاتها.

وفي حوارٍ معه يوم السبت، قال مسرور بارزاني، رئيس وزراء إقليم كردستان العراق، وهو الإقليم الذي شهد مقتل الأتراك الثلاثة عشر، إن مشكلة حزب العمال الكردستاني “تم تصديرها” إلى العراق من تركيا، وألقى باللوم على الجماعة المسلحة بسبب التصرفات التركية. وقال بارزاني للتلفزيون الفرنسي، “يجب ألا يكون هناك أي مبرر لتدخل القوات التركية”، وفي هذا الوقت، يمنحهم حزب العمال الكردستاني هذا المبرر”. ورفض “بارزاني” استبعاد القبول “بمنطقة آمنة” تركية في منطقته.

إن رفض رئيس وزراء إقليم كردستان العراق إدانة دولة أجنبية بسبب التدخل في شئون الإقليم، بل وإلقائه باللوم على الأكراد بسبب التحريض على تلك الدولة الأجنبية، يبين كيف يمكن للتحالفات أن تتغير. والسبب هو أن المنطقة الكردية في العراق ليست متجانسة، بل هي منقسمة داخليًا بين فصيلين سياسيين متنافسين، وهما، الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي ينتمي إليه بارزاني، ومقره “أربيل”، وأقرب الأحزاب إلى مناطق شمال غرب العراق حيث القتال هناك، والاتحاد الوطني الكردستاني، ومقره السليمانية. وإذا قبل فصيلاً واحدًا، وليكن الحزب الديمقراطي الكردستاني، المزيد من التدخل التركي، فسيؤثر ذلك سلبًا على تنافسه مع الفصيل الآخر. كما أن القبول بالأمر له تأثير غير مباشر في بغداد نفسها، لأن الرئيس العراقي الحالي ينتمي إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الكردي.

ومع تتبع خيوط السياسة حتى بغداد، يتضح لنا السبب في تدخل دبلوماسي إيراني – البلد الذي لا ينبغي أن يكون له رأي بشأن ما يحدث في شمال غرب العراق – في هذا النقاش.

فضلاً عن كونه ليس دبلوماسيًا عاديًا. وما جعل أنقرة تستدعي نهاية الأسبوع الماضي السفير هو أن تلك التصريحات جاءت على لسان “إيرج مسجدي”، السفير الإيراني الحالي في العراق، واللواء في الحرس الثوري الإسلامي، والذي يعد أول منصب له في الخدمة الدبلوماسية في بغداد.

مسجدي في مقابلة مع موقع روودار”نرفض التدخل العسكري في العراق، سواء من تركيا أو أي دولة أخرى ويجب ألا تشكل القواتُ التركية أي مصدر تهديدٍ للأراضي العراقية .كما يجب أن تتولى القواتُ العراقية توفيرَ الأمن بنفسها”

ويولي الحرس الثوري الإيراني اهتمامًا بالغًا بأي شيء يغير حساب القوة داخل بغداد، لأن الحرس هو الذي يدير في الواقع السياسة الخارجية الإيرانية في العراق. ولذلك يهتم الحرس الثوري الإيراني كثيرًا بأي شيء قد يؤثر على قدرته على التحرك بحرية داخل سوريا وخارجها- نقاط العبور أيضًا في الشمال الغربي.

وهكذا، بلغت تداعيات حادث وحيد، في جبال العراق البعيدة عن مراكز القوة، عواصم كل بلد في المنطقة. وبدأت هذه الأزمة بسبب مهمة عسكرية عبر خلالها الجنود الأتراك الحدود العراقية. وقد تنتهي الأزمة بوجود دائم على الجانب الآخر من ذلك الخط.

 

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.