النظام السوري يعاقب معارضيه باستغلال ثغرة قانونية ألا وهي الادعاء المبِاشر

حايد حايد

AFP Photo: Louai Beshara

بعد أن نجحت حكومة دمشق في استعادة سيطرتها على المناطق التي كانت خاضعة للمعارضين في سوريا، ارتفع عدد المعتقلين من شخصيات المعارضة ارتفاعاً مفاجئاً. مع أنهم لم يلق القبض عليهم بتهم وجهتها الدولة مثلما قد يعتقد المرء.فبدلاً من ذلك ألقي القبض عليهم على أساس تهم الادعاء المباشر، وهو لجوء قضائي يطالب بموجبه المدنيين بتطبيق العدالة على المعارضين أو النشطاء السابقين بسبب انتهاك حقوقهم الشخصية. في حين أن العملية تتم ضمن إطار قانوني تماماً، يظن الكثير من السوريين أن النظام هو المسؤول عن تهم الادعاء المباشر، مستغلاً ثغرة قانونية لملاحقة معارضيه. وفي الواقع، النهاية محددة: أي شخص يسعى إلى توجيه ادعاء مباشر ضد شخصيات موالية للنظام حتماً يتعرض للمضايقات والتهديدات أو حتى الاعتقال.

ثمة شيئان يجعلان تكتيك النظام أمراً ممكناً. فبموجب ما يسمى باتفاقية المصالحة، أو صفقة “الاستسلام”، التي أجريت مع المعارضين السابقين، فإن الشرطة العسكرية الروسية التي تعمل تحت رعاية النظام تهدف إلى ضمان عدم احتجاز أي ناشط معارض لمجرد مشاركته في نشاط مناهض للنظام. لكن في الواقع، لا يتدخل الروس دائماً ضد تلك الأمور. وبالتالي، لا تحمي صفقة الاستسلام هؤلاء الناشطين المعارضين من توجيه الاتهامات إليهم بارتكاب جرائم أخرى أو بطرق أخرى. والنتيجة هي أن النظام قادر على الانتقام منهم من خلال طرق غير مباشرة.

وهذه إذن إحدى الأمثلة على تضليل العدالة في سوريا، والتي يلقاها المعارضين السابقين من المنتصرون في الحرب التي مرت بها البلاد.

ومن الصعب للغاية الحصول على صورة واضحة عن حجم هذا الانتهاك القضائي، ونظرا لعدم توفر البيانات والظروف السرية التي حدثت في ظلها بعض الاعتقالات، مثل احتجاز الأشخاص عند نقاط التفتيش على سبيل المثال.شعر المدنيون بالقلق في مناطق المعارضة السابقة أولاً في سبتمبر/أيلول العام الماضي 2018 عندما اعتقل مئات من الأشخاص في درعا، ومحافظة حمص الشمالية،وريف دمشق، بحجة اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم من جانب أشخاص آخرين. وفي ديسمبر/كانون الأول، زعمت تقارير من مصادر في قدسيا، وهي بلدة تقع غرب دمشق، أن النظام لديه قائمة تضم 50 مواطناً مطلوبين بتهم تنطوي على نزاعات ملكية ترتب عليها جرائم قتل. وصدرت أوامر في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2018 لاعتقال 30 شخصاً في مدينة الشيخ مسكين و100 في الرستن للأسباب نفسها.

وتشير المعلومات المستقاة من المقابلات ووسائل الإعلام المحلية إلى أن معظم تهم الادعاء المباشرة قد رُفعت ضد القادة والمقاتلين السابقين الذين استسلموا. ولا تبدو حقيقة تخليهم عن أدوارهم القتالية وعودتهم إلى الحياة المدنية أو انضمامهم إلى الجماعات المؤيدة للنظام أنها قللت من نصيبهم من التهم الموجهةإليهم.

يحتل المرتبة الثانية على القائمة موظفو الخدمة المدنية السابقين الذين عملوا في الهيئات الحكومية المعارضة مثل المجالس المحلية والمحاكم وقوات الشرطة الحرة. أما في المرتبة التالية يوجد المتطوعون السابقون في الدفاع المدني، مثل أعضاء جماعة الخوذة البيضاء، والعاملين في مجال المساعدات الإنسانية والنشطاء الإعلاميين إلى جانب المدنيين الذين لهم علاقات بأي من الجماعات أعلاه. أما عن التهمة الأكثر شيوعاً فهي القتل وتليها الابتزاز.

وعادةً ما تتسم العملية القانونية الخاصة بالادعاء المباشر بالبساطة والوضوح. فالضحية أو الطرف المتضرر يقوم بتقديم اتهاماً رسمياً، ومن ثم تصدر المحكمة ذات الصلة أمراً بإلقاء القبض على المدعى عليه تنفذه الشرطة أو وكالة أجهزة الأمن الجنائي.

ورغم ذلك، تقول مصادر متعددة إن العملية تختلف في الحالات الأخيرة في المناطق التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة المعارضين. وثمة ادعاءات مستمرة بحدوث اعتقالات دون أمر رسمي أو أمر من المحكمة. فضلاً عن ادعاءات باعتقالات من جانب المخابرات السياسية أو قوات المخابرات الجوية، الذين لا تمتد صلاحياتهم عادة إلى الإجراءات الجنائية. وفي بعض الحالات على الأقل، يجري احتجاز المعتقلين في منشآت استخدمتها تلك الوكالات، وليس في سجون مدنية عادية. وظهرت أيضاً تقارير متعددة تدعم الاعتقاد بأن مسؤولي النظام ساهموا في تشجيع المدنيين على رفع الادعاءات المباشرة، وهو ما يفسر بلا شك سبب ارتفاع عدد تلك الحالات.

ويؤثر استخدام الادعاء المباشر، من أجل تصفية الحسابات السياسية، على تقويض مؤسسات الدولة من اجل التحري من صحة الاتهام. فالسماح بتوجيه الاتهام دون جمع الأدلة الاستقصائية أدى في المقام الأول إلى تحويل السلطة القضائية إلى أداة للابتزاز أو تسوية الخصومات الشخصية. وقد ورد أن رجل في الرستن بمقاطعة حمص الريفية في جنوب سوريا قد قام برفع ادعاءات أدت إلى اعتقال 67 شخصاً، وهدد 300 آخرين برفع ادعاءات مباشرة اتجاههم. وقد أُجبر الكثير من المعتقلين، رغم أنهم أبرياء، على دفع رشوة لمسؤولي النظام إما مباشرة أو عن طريق محامين من أجل تأمين إطلاق سراحهم.

وبخلاف ذلك، يُمنح موالين النظام، سواء كانوا مقاتلين أو مدنيين، الحصانة الكاملة على الجرائم المرتكبة قبل النزاع وخلاله، ومن المرجح أن ضحاياهم يخضعون للتهديد لترك الدعاوى المشروعة عالقة.

فمثل تلك العدالة من مستويين لا يمكن أن تؤدي إلا إلى المزيد من الانقسام والاستقطاب وزيادة عدم الاستقرار في البلاد، حتى ولو بعد فترة طويلة من توقف القتال. أما الطريقة الوحيدة لتجنب تلك النتيجة تتمثل في الخضوع لمساءلة ذات مصداقية ونظام قضائي عادل يمنح جميع الضحايا، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، عدالة حقيقية، تلك العدالة التي تساعد في تسوية مظالم الأفراد وشفاء آلام المجتمع.