أزمة المياه في جنوب أفريقيا تتيح لدول الخليج العربي فرصة لاستعراض تقدّمها النسبي في مجال الصناعات القائمة على المعرفة

جوزيف دانا

ستكون مدينة كيب تاون الأولى بين المدن الكبرى في العالم التي ستنفد من المياه على حدّ ما تداولته وسائل الإعلام على مدى الأسابيع القليلة الماضية. وعلى الرغم من صحّة هذه الفرضية، فالحقيقة تبقى أن كيب تاون لن تنفد تماماً من الماء. بل أنه سيتوجب عليها تقنين المياه عبر توزيعها للمقيمين في أماكن محددة للإبقاء على توريد المياه من غير انقطاعها في ثلاثة قطاعات رئيسية: قطاع الأعمال المركزي (مقرّ برلمان جنوب أفريقيا)، والمؤسسات الحيوية مثل المستشفيات والمستوطنات العشوائية الكبيرة (البلدات).

وينبع الاهتمام بالمستوطنات العشوائية من تحذير أصدره مسؤولي إدارة الكوارث من الاضطرابات الاجتماعية إذا تم قطع توريد المياه إلى البلدات حيث يسكنها الملايين من فقراء المدينة في أكواخ من القصدير وحيث يتوجب عليهم جمع المياه من الصنابير الجماعية. فقد سبق وعانى سكان البلدات من تقنين المياه على مدى عقود حيث خلت منازلهم من التوصيلات الأساسية. ولذلك، فإن جهود التقنين الحالية تضع معظم سكان كيب تاون على التوازي مع واقع عاشه سكان البلدات على مدى عقود.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف وصلت كيب تاون إلى ما لقّب بـ ”يوم الصفر“. أما الجواب فهو مزيج من التغير المناخي على مستوى العالم وسوء الإدارة السياسية، فضلاً عن التحديات التي تواجه هذا البلد الصغير. وكما هو الحال في أماكن أخرى من العالم، شهدت المدينة جفافاً مطولاً على مدى السنوات العديدة الماضية. وفي الواقع، فقد تم تصنيف مناطق عديدة من جنوب أفريقيا كمناطق شحيحة المياه بسبب قلّة الأمطار المطردة في السنوات الأخيرة. ضف على ذلك نمواً سكانياً متصاعداً، وخاصة في كيب تاون التي تحوي الآن على أكثر من 4 ملايين نسمة.

وتفيد التقارير أن إسرائيل قدمت مساعدات مائية، أن الحكومة قد رفضت تلك المساعدات على أساس أن العرض له دوافع سياسية. وقد صغرت جنوب افريقيا مؤخراً حجم بعثتها لدى تل ابيب وتحافظ على علاقات قوية مع الفلسطينيين.

كما هنالك دولة واحدة من ذوي الخبرة في إدارة المياه والتي تحافظ على علاقات قوية مع جنوب أفريقيا وهي دولة الإمارات العربية المتحدة. يذكر أن عدد الرحلات التجارية القائمة حالياً بين البدلدين قد بلغ تسع رحلات تجارية يومياً، والآلاف من مواطني جنوب أفريقيا يعيشون ويعملون في الإمارات. وبذلك يجدر على جنوب أفريقيا أن تفعّل روابط صداقتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة للتعرف على سبل إدارة المياه. في الواقع، قد تكون محنة جنوب أفريقيا فرصة اقتصادية مستحدثة محلياً لدولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي المجاورة لها.

وتوصلّت دولة الإمارات العربية المتحدة إلي تحقيق الأمن المائي على الرغم من تزايد عدد سكانها في وقت قصير. في أوائل الستينيات، كان عدد السكان أقل من ١٠٠ ألف نسمة. أما اليوم فاقترب عدد السكان من 10 ملايين نسمة واضطرت دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تقع في أكثر الأماكن جفافاً على وجه الأرض إلى الاسراع والاستثمار في تكنولوجيا تحلية المياه لضمان أمن المياه. وقد نجحت إمارة أبوظبي في فتح أكبر احتياطي من المياه المحلاة في العالم في طبقة مياه جوفية في صحراء ليوا.

ويحوي المخزون الاحتياطي على 26 مليار لتر من المياه المحلاة صناعياً، ويقال إنه قادر على توفير ما يقارب 100 مليون لتر من الماء يومياً في حالة الطوارئ. ولم يكن المشروع رخيصاً حيث أنه يمتد على أكثر من 100 كيلومتر من الساحل وتطلب إنشاء أنبوب خاص لنقل المياه المحلاة. وبلغت تكلفة المشروع ما يزيد عن 450 مليون دولار. فبالنسبة لبلد مثل جنوب أفريقيا، سيتعين تحمل تكلفة مماثلة غير أنه من الضرورة أن تتوافر الإرادة السياسية .

وفي غياب الإرادة السياسية أو القدرة على إعداد كيب تاون لواقعها الجديد من المطرالشحيح، كانت المدينة بطيئة في وضع الحلول البديلة مثل إنشاء محطات تحلية المياه واعتماد التقنيات الزراعية المتقدمة التي تحافظ على المياه. ويعزى الانهيار في التأهب للبنية التحتية إلى الاقتتال السياسي والفساد وسوء إدارة موارد الدولة.

ويذكر أن مقاطعة كيب الغربية التى تقع فيها كيب تاون هي المقاطعة الوحيدة في جنوب أفريقيا التى يسيطر عليها حزب التحالف الديمقراطي المعارض. ويرتبط جدول أعمال التنمية منذ فترة طويلة بالأقلية البيضاء في البلاد. وفي ظل السيطرة على جدول أعمال التنمية، كانت معدلات الجريمة في المناطق الحصرية في كيب تاون أقل ارتفاعاً من بقية البلاد وحصدت حصة الأسد من السياحة ولكنها لم تدمج عنصرياً كما تّم في مدن مثل جوهانسبرغ. أما معدلات الجريمة في بلدات كيب تاون فهي مرتفعة بشكل مثير للصدمة ولكن نظراً لجيغرافية المدينة الفريدة من نوعها مع جبل تابل الذي يفصل المناطق الحصرية التي تعانق الساحل الأطلسي مع الأراضي المسطحة المتربة والتي تقع فيها البلدات، وقتبقى الجرائم محدودة جغرافيّا. وهي تقريباً كما لوكيب تاون تحوي على مدينتين.

وبفضل رئاسة الزعيم جاكوب زوما الملوثة بالفساد الاقتصاد الوطنى المتدهور والنزاعات الداخلية في الحزب السياسي الحاكم الحزب الوطني الافريقي تمكنت الحركة من تحقيق مكاسب سياسية مثيرة للاعجاب فيه في عدة انتخابات جرت مؤخراً خارج الكيب الغربية. وقد كان ذلك محرجاً للحزب الذي حرر جنوب أفريقيا من الفصل العنصري، ويبدو أن قادة الحزب هذا ينتقمون انتقاماً صارخاً بإعلانهم أنه لن يتم تحويل الموارد الوطنية لمساعدة مقاطعة كيب الغربية في مواجهة الجفاف.

منذ ما لا يزيد عن عامين٬ كانت البلاد خاضعة لخفض الكهرباء المتداول لأن الحكومة الوطنية فشلت في الاستثمار فيتحديث وتطوير البنية التحتية الكهربائية القديمة في البلاد. وفي خلال الأشهر الماضية، وجهت أجندة التنمية باللوم إلى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لزيادة رأس المال الغربي من الأموال اللازمة لتسريع تشييد محطات تحلية المياه وغيرها من التدابير التي كان من شأنها تفادي هذه الأزمة.

ومن السهل أن ننسى أن جنوب افريقيا بلد له تاريخ عريق ولكنه في مرحلة مبكرة من تطوره الديمقراطي. ولكي يتمكن من تحقيق إمكانياته كأحد قادة أفريقيا، يجب أن يواجه تحدي أزمة المياه في كيب تاون بالاعتماد على في للعمل على تطبيق أفضل الممارسات في مجال أمن المياه.

وقد تكون نقطة الانطلاق لدى شركائه في الخليج العربي والذين نجحوا في التغلب على هذا التحدي الخاص بالمياه وهم الآن في المقدمة بهذا المجال. وبالنظر إلى وتيرة تغير المناخ العالمي، لن تكون مدينة كيب تاون هي آخر مدينة تواجه أزمة المياه. في الواقع، يمكن لدول الخليج العربي أن تجد في جنوب أفريقيا أول اختبار للصناعة العالمية التي تعتمد على تميزها النسبي في قطاع قائم على المعرفة وهو إدارة المياه.

AFP PHOTO / Rodger BOSCH