أجساد السوريين باتت ورقة أردوغان الأخيرة لمساومة الاتحاد الأوربي

فيصل اليافعي

AFP Photo: Ozan Kose

قبل أيام قليلة من حصوله على ما طالب به طويلًا، يطالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالمزيد، وفي خطاب له يوم الخميس الماضي، وقبل ثلاثة أيام من بدء انطلاق الدوريات الحدودية المشتركة مع الولايات المتحدة، كشف أردوغان عن خطة جديدة – وقام بالإعلان عن تهديد خطير، إذا لم يقم الاتحاد الأوربي بدعم خطة أردوغان لنقل مليون لاجئ سوري للمنطقة الحدودية فإن الرجل سيقوم حسبما قال ب”فتح الأبواب”.

وهذا التهديد الخطير على وجه الخصوص، والذي يتعلق بملايين السوريين هو تهديد قاسِ، وخلال خطاب واحد؛ أعلن أردوغان استخدام أجساد السوريين كسلاح ضد الاتحاد الأوربي، وأنه لا يشعر بالندم حيال ذلك، بغرض تحقيق ما يريده على المستوى السياسي

وقال أردوغان الأسبوع الماضي :“هدفنا هو إعادة مليون ]سوري[على الأقل للمنطقة الآمنة”، تلك المنطقة الأمنة لم يتم تأسيسها بعد”. لكن تركيا تتصور تلك المنطقة الآمنة على أنها منطقة حدودية تبلغ مساحتها مئات الكيلومترات، يتم تسيير دوريات أمريكية وتركية فيها، على أن يتم إعادة اللاجئين السوريين في تركيا وتوطينهم في تلك المنطقة الآمنة. وأضاف أردوغان أن تركيا من الممكن أن تقوم ببناء مدنًا في تلك المنطقة، وأشار إلى أن ذلك أفضل لهم من المدن التي تأسست من الخيام في تركيا.

وقال أردوغان إن الاتحاد الأوربي إن لم يتعاون مع أنقرة في هذا الإطار، فإن الأخيرة لن تتحمل هذا العبء وحدها، وأضاف :“إن لم نحصل على دعم الاتحاد الأوربي سنقوم بفتح الأبواب”.

ومصطلح “فتح الأبواب” يعني السماح للاجئين السوريين بالتدفق إلى أوربا، إما بحرًا عبر إيطاليا واليونان، أو برًا عبر بلغاريا والبلقان، وهذا يعني نهاية الاتفاقية التي تم توقيعها في العام 2016 بين أنقرة والاتحاد الأوربي، والتي نصت على إيقاف عبور المهاجرين إلى أراضي الاتحاد الأوربي في مقابل حصول أنقرة على مساعدات تبلغ عدة مليارات يورو. وتلك المسألة تتسم بالخطورة وسيكون لها عواقب وخيمة على مئات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين يعيشون في تركيا، والمؤكد أن هناك الكثير ممن يرغبون في خوض رحلة محفوفة بالمخاطر إلى الأراضي الأوربية، حتى وان كانت تلك المحاولات يائسة، ولكن هناك الكثير أيضًا من اللاجئين السوريين في تركيا، الذين يريدون البقاء هناك على الرغم من الصعوبات التي تقابلهم، وفتح الأبواب سوف يؤسس لبيئة عدائية من الممكن أن تدفع بالكثير منهم إلى خارج البلاد.

وعبر التهديد ب”فتح الأبواب”، فإن الرئيس التركي واقعيًا يهدد بنزع الحماية عن مئات الآلاف من اللاجئين السوريين من الرجال والنساء الذين تقطعت بهم السبل، وإجبارهم على البحث عن الملجأ والأمان، وبالنسبة للسوريين؛ تلك هي الوحشية الناجمة عن السياسة.

وبالنسبة للاتحاد الأوربي، فإن تلك المشكلة تنطوي على خطر هائل، ودون الدخول في تفاصيل عواقب تلك المسألة، فإن الاتحاد الأوربي على دراية كاملة بتلك العواقب. وقد مرت 4 سنوات منذ كانت أزمة اللاجئين في ذروتها، تلك الأزمة الشديدة التي كانت لها آثارًا لا زالت مستمرة طالت القارة الأوربية على المستوى السياسي، والواقع أن الأزمات السياسية الحالية التي تشهدها دولتان من أهم دول الاتحاد الأوربي وهما إيطاليا والمملكة المتحدةقدتم تأجيجها عبر قضية المهاجرين. ولا عجب من أن أول ردود الفعل جاء من رئيس الوزراء اليوناني، حيث استنكر المحاولات التركية ل”تهديد اليونان وأوربا”. وفي أغسطس الماضي، ارتفع عدد اللاجئين المتدفقين من تركيا إلى الجزر اليونانية ليصل إلى سبعة آلاف، وهو المعدل الأعلى منذ سنوات، وهو نذير على ما يمكن أن يحدث في المستقبل.

وأردوغان لا يستغل التهديد بفتح الأبواب ضد الاتحاد الأوربي فقط، ولكن مسألة استخدامه لأجساد السوريين كسلاح تستهدف بشكل مباشر أيضًا عدوين آخرين: الجماعات الكردية المسلحة على الحدود، وكذا معارضي أردوغان في الداخل. وفي ذات الخطاب طلب أردوغان دعمًا لوجستيًا من أجل “بناء منطقة سكنية على مساحة يبلغ عمقها 30 كم في الشمال السوري”، وقد يبدو أردوغان على أنه شخصية متخبطة، لكنه ليس كذلك.

وفي الثامن من سبتمبر، عبرت مركبات عسكرية أمريكية وتركية الأراضي السورية، من أجل القيام بدوريات مشتركة في “المنطقة الآمنة”، بمحاذاة المنطقة الحدودية، وتسيطر الجماعات الكردية حاليًا على تلك المنطقة، لكن تركيا مصممة على طردهم منها، وحجتها أن المسلحين الأكراد يقومون بالتنسيق مع الانفصاليين الأكراد في الداخل التركي.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن مسألة الدوريات تتسم بالحساسية، وقد حاولت واشنطن باستماتة تأجيل تسيير تلك الدوريات. وبشكل نظري، فإن الولايات المتحدة تتحالف مع الجماعات الكردية السورية التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في المنطقة. ومجددًا تتعرض الولايات المتحدة للاختيار ما بين الانحياز للجماعات الكردية أو تركيا، وتلك المرة اختارت واشنطن الانحياز لأنقرة شريكتها في حلف الناتو.

واليوم، فإن تلك الدوريات ستشمل فقط المنطقة الحدودية الواقعة إلى الخلف من مدينة تل الأبيض، لكن تركيا تريد توسيع المنطقة الآمنة، لتصل إلى عمق 30 كم في الداخل السوري، لكن مع فض الولايات المتحدة لتلك المسألة، لجأت تركيا لأسلوب جديد من أجل توسيع المنطقة التي يسيطر عليها الجيش التركي.

وخطة شرق الفرات تشتمل على إقامة مدارس ومستشفيات ومساكن، وهو ما يحدث في مدينة جرابلس السورية، والتي تبعد مسافة ساعتين بالسيارة إلى الغرب من مدينة تل الأبيض، وستعمل القوات التركية على حماية تلك الأراضي والسوريين الذين يقيمون فيها، لكن أنقرة أيضًا ستقيم مسافة تفصل بين الجماعات الكردية والأراضي التركية، والمؤكد هو أن تركيا ستستخدم أجساد السوريين من أجل الإبقاء على الجماعات الكردية بعيدة عن حدودها.

وفي نظر أردوغان فإن هؤلاء هم معارضيه في الداخل، وقد بدا الرأي العام في تركيا في التحول ضد اللاجئين السوريين، حتى في مناطق مثل جنوب شرق تركيا القريبة من الحدود، وهي المنطقة التي تشهد استثمارات سورية جلبت الكثير من الوظائف. وعبر إعلان خطته بصوت عالِ، فإن أردوغان يقطع الطريق أمام دعوات المعارضة بإعادة السوريين إلى بلادهم، والواقع أن أول من أحضر السوريين إلى تركيا وهو الرئيس أردوغان، يريد الآن طردهم منها.

وتلك الطريقة التي تنطوي عليها عملية استضافة اللاجئين تؤدي للتأسيس لبيئة عدائية في الداخل التركي، مما جعل الكثير من السوريين يريدون مغادرة البلاد، لكن أردوغان يريد حلًا أفضل وأسرع، وحتى وهو ماض في طريقه – متحدثًا بصوت عال – إلى الولايات المتحدة على طاولة المفاوضات، فقد اختار تلك اللحظة من أجل الحصول على المزيد من المكاسب، وهو يجيد اللعب على الأوتار التي تجعله يحصل على ما يريد، وما يريده أردوغان بالفعل هو ضم جزء من الأراضي السورية، وهو على استعداد لاستخدام السوريين كوسيلة للمساومة من أجل تحقيق هذا الهدف.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا بالإضافة لآسيا وإفريقيا.